تُعد قضية تصنيف الدول وفق مستوياتها الاقتصادية والتنموية من الموضوعات الأساسية في الدراسات الدولية والسياسات الاقتصادية.
وكان مصطلح “العالم الثالث” يُستخدم في الأصل خلال فترة الحرب الباردة للإشارة إلى الدول التي لم تنخرط في أي من المعسكرين الرئيسيين، الولايات المتحدة وحلفاؤها من جهة، والاتحاد السوفيتي وحلفاؤه من جهة أخرى.
وظهر هذا المصطلح لأول مرة عام 1952 على يد عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي ألفريد سوفيه، بهدف وصف الدول غير المنحازة سياسيًا في تلك الحقبة.
ومع مرور الوقت وانتهاء الحرب الباردة، تحول استخدام المصطلح ليشير بشكل أساسي إلى الدول التي تعاني من التخلف الاقتصادي والتنمية المحدودة، والتي غالبًا ما تحمل إرثًا استعماريًا أثّر على بنيتها الاقتصادية والاجتماعية.
اليوم، لم يعد مصطلح “العالم الثالث” هو الأكثر شيوعًا أو دقة في وصف هذه الدول، إذ أصبح يُنظر إليه أحيانًا على أنه يحمل دلالات سلبية.
وبدلاً منه، اعتمدت المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي مصطلحات أكثر تحديدًا وموضوعية، مثل الدول النامية والدول الأقل نموًا.
ويعتمد التصنيف الحديث على مؤشرات اقتصادية واجتماعية دقيقة، بما في ذلك مستوى الدخل، معدل الفقر، مؤشرات التعليم والصحة، ونسبة البطالة، إضافة إلى الاستقرار السياسي والاجتماعي.
البنك الدولي يصنف الدول إلى دول منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل ومرتفعة الدخل، وفق الناتج المحلي الإجمالي للفرد.
أما الأمم المتحدة فتضع في اعتبارها مؤشر التنمية البشرية الذي يقيس مجموعة من العوامل مثل متوسط العمر المتوقع، ونسبة الالتحاق بالتعليم، ومستويات الصحة العامة، إضافة إلى مؤشرات اقتصادية أخرى.
وبناءً على هذه المعايير، تُصنّف مجموعة من الدول على أنها الأقل نموًا، وهي تلك التي تواجه صعوبات شديدة في تحقيق مستويات متقدمة من التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وغالبًا ما تعاني من ضعف البنية التحتية، وفقر واسع النطاق، ونقص الخدمات الأساسية.
وتعكس هذه التحولات في المفاهيم والتصنيفات الفهم الحديث للتفاوت الاقتصادي بين الدول، إذ لم يعد التركيز ينحصر في الانتماء السياسي كما كان خلال الحرب الباردة، بل أصبح يشمل عوامل التنمية البشرية والاقتصادية بشكل أوسع.
كما تُشير هذه التصنيفات إلى أهمية وضع استراتيجيات دولية لدعم الدول الأقل نموًا وتحفيز التنمية المستدامة فيها، بما يعزز من قدرتها على تحسين مستويات المعيشة لمواطنيها وتقليل الفجوات الاقتصادية بين الدول.
وفي الوقت نفسه، يواجه هذا التصنيف تحديات مرتبطة بتغيرات الاقتصاد العالمي وتفاوت مؤشرات التنمية داخل الدولة نفسها، حيث قد تظهر مناطق متقدمة اقتصاديًا إلى جانب مناطق فقيرة داخل نفس الدولة.
ومن هنا، أصبح من الضروري النظر إلى التصنيف ليس فقط على مستوى الدولة ككل، بل أيضًا على مستوى المناطق المحلية، لضمان سياسات تنموية أكثر عدالة وشمولية.
يمكن القول إن الانتقال من مصطلح العالم الثالث إلى مفاهيم التنمية الحديثة يعكس فهمًا أكثر دقة وشمولية للعوامل التي تحدد مستوى تطور الدول، ويضع الأساس لتصميم سياسات دولية واستراتيجيات دعم فعالة تركز على النمو الاقتصادي المستدام والتنمية البشرية الشاملة.







