جاءت بيانات الوظائف الأميركية لشهر فبراير أضعف بكثير من التوقعات، ما يشير إلى تباطؤ في سوق العمل في توقيت بالغ الحساسية للاقتصاد الأميركي. فقد تراجع عدد الوظائف غير الزراعية بمقدار 92 ألف وظيفة، في نتيجة جاءت أقل بكثير من التوقعات التي كانت تشير إلى إضافة 58 ألف وظيفة، كما انخفضت مقارنة بالزيادة السابقة البالغة 126 ألف وظيفة، والتي جرى تعديلها بالخفض. كما سجلت وظائف القطاع الخاص أداءً مخيبًا للآمال، مع تراجعها بمقدار 86 ألف وظيفة مقابل توقعات بزيادة قدرها 65 ألف وظيفة. أما وظائف قطاع التصنيع، فقد انخفضت بمقدار 12 ألف وظيفة، ما عزز مؤشرات الضعف.
وارتفع معدل البطالة إلى 4.4% مقارنة بـ4.3% في الشهر السابق، في حين تراجع معدل البطالة الموسع (U6)، الذي يشمل العمالة الناقصة، إلى 7.9% من 8.1%. واستقر معدل المشاركة في سوق العمل عند 62.0%. وعلى صعيد الأجور، بدت الصورة أكثر متانة؛ إذ ارتفعت متوسطات الأجور في الساعة بنسبة 0.4% على أساس شهري، متماشية مع التوقعات، وبنسبة 3.8% على أساس سنوي، وهي نسبة تفوق التقديرات بشكل طفيف. ويشير ذلك إلى أن نمو الأجور لا يزال قويًا رغم تباطؤ وتيرة التوظيف.
ماذا يعني ذلك للأسواق؟
بمعزل عن العوامل الأخرى، يُعد هذا التقرير سلبيًا من حيث آفاق النمو. فالتراجع في أعداد الوظائف إلى جانب ارتفاع معدل البطالة يعكس فقدان سوق العمل لزخمه بوتيرة أسرع من المتوقع.
إلا أن السياق المحيط بهذه البيانات بالغ الأهمية.
ففي ظل التوترات الجيوسياسية التي تدفع أسعار النفط إلى الارتفاع وتزيد من مخاطر التضخم، يضع هذا الضعف في بيانات الوظائف صانعي السياسة النقدية أمام معضلة واضحة. إذ تجد الأسواق نفسها الآن أمام قوتين متعارضتين:
تباطؤ النمو وضعف سوق العمل، وهو ما يدعم عادة توقعات خفض أسعار الفائدة.
ارتفاع أسعار الطاقة والمخاطر الجيوسياسية، التي تعزز المخاوف التضخمية وتحدّ من مرونة الاحتياطي الفيدرالي.
ومن المرجح أن تعكس ردود الفعل الأولية للأسواق هذا التوتر. ففي الظروف الطبيعية، تؤدي بيانات التوظيف الضعيفة إلى الضغط على عوائد سندات الخزانة الأميركية نحو الانخفاض وإلى إضعاف الدولار. غير أن استمرار المخاوف المرتبطة بالتضخم المدفوع بالطاقة قد يدفع أسواق السندات إلى التريث في تسعير تخفيف نقدي واسع النطاق. وفي الوقت الراهن، تراجع الدولار من أعلى مستوياته اليومية، في حين لا يزال مؤشر الدولار يواجه مقاومة ضمن نطاقه الرئيسي بين 98.60 و99.22.
مؤشر الدولار الأميركي (DXY) – الرسم البياني اليومي
وقد تكون استجابة أسواق الأسهم بدورها متباينة. فمن جهة، يشكل تباطؤ النمو عامل ضغط سلبي على توقعات الأرباح. ومن جهة أخرى، فإن أي انطباع بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يميل لاحقًا خلال العام إلى سياسة أكثر تيسيرًا قد يوفر بعض الدعم، لا سيما للقطاعات الحساسة لأسعار الفائدة.
تداعيات ذلك على الاحتياطي الفيدرالي
يعقّد هذا التقرير آفاق السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي. فقبل التصعيد الجيوسياسي الأخير، كانت الأسواق تناقش بالفعل مدى سرعة خفض أسعار الفائدة. وتأتي بيانات اليوم لتعزز الرأي القائل إن سوق العمل يشهد تباطؤًا ملموسًا. إلا أن نمو الأجور بنسبة 3.8% على أساس سنوي لا يزال أعلى من المستويات المتوافقة تمامًا مع هدف التضخم البالغ 2%، كما أن ارتفاع أسعار النفط يهدد بالانتقال إلى معدلات التضخم الرئيسية.
ويواجه الاحتياطي الفيدرالي الآن حالة كلاسيكية من الضغوط المتعاكسة: فتراجع سوق العمل يدعو إلى الحذر من الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة، في حين أن مخاطر التضخم المدفوعة بالسلع الأساسية تحول دون التسرع في التيسير النقدي.
وعمليًا، من المرجح أن يقلل ذلك من احتمالات خفض أسعار الفائدة في المدى القريب، مع زيادة ترجيح تبني نهج أكثر اعتمادًا على البيانات خلال الأشهر المقبلة. وإذا استقرت أسعار النفط ولم يشهد التضخم تسارعًا جديدًا ملموسًا، فقد يشكل هذا التقرير بداية تحول أوضح نحو التيسير النقدي. أما إذا استمرت التوترات الجيوسياسية في الضغط صعودًا على أسعار الطاقة، فقد يظل الاحتياطي الفيدرالي مترددًا في التحرك بسرعة. وتشير التوقعات الحالية للأسواق إلى خفض واحد، وربما خفضين، لأسعار الفائدة خلال هذا العام.
الخلاصة
تُظهر سوق العمل الأميركية مؤشرات تصدّع، لكنها لا تشهد انهيارًا. وفي بيئة اقتصادية مستقرة، كان من شأن هذه البيانات أن تدفع الاحتياطي الفيدرالي بشكل أوضح نحو خفض أسعار الفائدة. أما في البيئة الحالية، التي تتسم بارتفاع أسعار النفط وتصاعد عدم اليقين الجيوسياسي، فإنها تضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى قرارات السياسة النقدية.
وتتحرك الأسواق الآن ضمن سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع عودة مخاطر التضخم إلى الواجهة. هذا المزيج قد يُبقي مستويات التقلب مرتفعة في أسواق السندات والعملات والأسهم خلال الأسابيع المقبلة.







