شهدت مصر خلال شهر أبريل 2026 تحركات تشريعية مكثفة داخل مجلس النواب المصري لمناقشة وإقرار تعديلات جوهرية على قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية رقم 3 لسنة 2005، في خطوة تستهدف تطوير منظومة ضبط الأسواق وتعزيز مبادئ المنافسة العادلة، بما يتماشى مع التغيرات الاقتصادية المحلية والعالمية.
وتأتي هذه التعديلات في إطار توجه الدولة نحو بناء بيئة اقتصادية أكثر انضباطًا وشفافية، حيث تسعى إلى تمكين جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية من أداء دور أكثر فاعلية في مواجهة الممارسات الاحتكارية التي قد تؤثر سلبًا على السوق والمستهلكين. ويعد منح الجهاز سلطات أوسع أحد أبرز ملامح التعديل، بما يتيح له التدخل المبكر قبل وقوع الأضرار.
ومن أهم البنود التي تضمنها مشروع القانون الجديد تطبيق نظام الرقابة المسبقة على التركزات الاقتصادية، وهو ما يمنح الجهاز صلاحية مراجعة صفقات الاندماج والاستحواذ قبل تنفيذها، لضمان عدم الإضرار بالمنافسة أو خلق كيانات مهيمنة بشكل يخل بتوازن السوق. كما تشمل هذه الرقابة متابعة لاحقة للتأكد من الالتزام بالقواعد المحددة.
وفي سياق متصل، نصت التعديلات على تغليظ العقوبات المفروضة على المخالفين، من خلال رفع الغرامات المالية واستحداث نظام للجزاءات الإدارية، بما يعزز من قدرة القانون على الردع ويحد من التجاوزات. ويهدف هذا التوجه إلى توجيه رسالة واضحة بأن الممارسات الاحتكارية لن تمر دون محاسبة.
كما تضمنت التعديلات حظر ما يعرف بالندرة الصناعية، وهي ممارسات تتضمن تقليل الإنتاج أو الامتناع عن طرح السلع في الأسواق بهدف رفع الأسعار بشكل مصطنع. ويمتد الحظر أيضًا إلى منع التمييز بين المتعاملين أو تعطيل المنافسين، وهي ممارسات تؤدي إلى الإضرار بحرية السوق.
وتعكس هذه الخطوات تحولًا نحو منظومة رقابية شاملة، حيث لم يعد القانون يقتصر على معالجة المخالفات بعد وقوعها، بل أصبح يعتمد على آليات استباقية تهدف إلى منع حدوثها من الأساس. ويواكب هذا التوجه أفضل الممارسات الدولية في مجال حماية المنافسة، خاصة في ظل تعقيدات الاقتصاد الحديث.
ولم تغفل المناقشات البعد الرقمي، حيث تناولت التعديلات قضايا تتعلق بالاقتصاد الرقمي وظهور أشكال جديدة من الاحتكار، خاصة في ظل تنامي دور المنصات الإلكترونية. كما تم طرح مقترحات لتنظيم دور الكيانات الحكومية في السوق، بما يضمن تحقيق تكافؤ الفرص بين جميع الأطراف.
ويرى مراقبون أن هذه التعديلات تمثل خطوة مهمة نحو تحقيق التوازن بين حماية المستهلك وتشجيع الاستثمار، حيث توفر بيئة أكثر وضوحًا واستقرارًا للمستثمرين، وفي الوقت ذاته تحمي السوق من الممارسات الضارة.
ومن المتوقع أن تسهم هذه الإصلاحات في تعزيز ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري، ودعم تنافسية السوق، بما ينعكس إيجابًا على الأسعار وجودة السلع والخدمات. كما تمثل هذه الخطوة جزءًا من رؤية أوسع تهدف إلى تحديث الإطار التشريعي بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الحالية، ويعزز من قدرة الدولة على مواجهة التحديات الاقتصادية بكفاءة.







