تدخل تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية مرحلة أكثر تعقيدًا بالنسبة لأسواق التأمين وإعادة التأمين، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن مسار الصراع، وتزايد الضغوط على حركة الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد والطاقة، بما يفرض تحديات جديدة على شركات التأمين في تقييم الأخطار وتسعيرها وإدارة المطالبات.
ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة، حيث لم تعد حركة السفن إلى مستوياتها الطبيعية رغم استمرار عبور عدد منها في الاتجاهين. وتراجعت عمليات العبور الأسبوعية من 91 إلى 73 عملية، مع استحواذ ناقلات النفط الخام على الجزء الأكبر من الحركة المسجلة، وفق البيانات الواردة في النشرة.
وامتدت تداعيات الاضطرابات إلى تجارة الحاويات، التي شهدت تراجع الواردات في المنطقة بنسبة 21% والصادرات بنسبة 31% خلال النصف الأول من العام، في الوقت الذي واصلت فيه التجارة العالمية للحاويات نموها، مدفوعة باستمرار الطلب على المسارات التجارية الأقل تعرضًا للأزمة.
ارتفاع كبير في تكلفة تأمين أخطار الحرب
فرضت التطورات الأمنية تحولًا واضحًا في آليات سوق التأمين البحري، إذ أصبحت شركات التأمين أكثر اعتمادًا على تقييم كل رحلة بصورة منفصلة، استنادًا إلى مجموعة من العوامل تشمل نوع السفينة وقيمتها، وطبيعة الحمولة، وخط السير، ومدة البقاء داخل المناطق مرتفعة الخطورة، إلى جانب بيانات المالك والمشغل والمستأجر.
وقبل اندلاع الصراع في 28 فبراير، كان نحو 20% من النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا يمر يوميًا عبر مضيق هرمز، فيما كانت أقساط التأمين ضد أخطار الحرب تقدر بنحو 0.25% من قيمة السفينة. إلا أن الأسعار ارتفعت بصورة حادة خلال أسابيع من بدء الضربات، لتصل أقساط تأمين أخطار الحرب إلى نحو 10% من قيمة السفينة، مع اختلاف التكلفة وفقًا لطبيعة السفينة والحمولة والمسار ومدة التعرض للخطر.
وأصبح تغيير أي عنصر من عناصر الرحلة التي تم على أساسها قبول الخطر وتسعيره سببًا محتملًا لإعادة النظر في القسط أو شروط التغطية، الأمر الذي يزيد من صعوبة التنبؤ بتكلفة التأمين بالنسبة إلى مالكي السفن والمستأجرين، خاصة مع سرعة تغير مستويات المخاطر الأمنية.
مخاطر متزايدة أمام شركات التأمين
وسّعت لجنة الحرب المشتركة التابعة لـ«لويدز» نطاق تصنيف المناطق عالية الخطورة ليشمل الخليج العربي بالكامل، مع استمرار التصنيف إلى حين تحقق عبور مستمر وآمن للسفن، ووجود استقرار جيوسياسي، وصدور أدلة رسمية على اكتمال عمليات إزالة الألغام.
كما قدرت المطالبات الناتجة عن الحرب في قطاعات تأمين الحرب والإرهاب والعنف السياسي بما يتراوح بين 2 و3 مليارات دولار على مستوى السوق، وفق أحدث تقرير لشركة «هاودن ري»، التي وصفت أزمة مضيق هرمز خلال عام 2026 بأنها حدث تأميني نادر ومتعدد الخطوط يختبر قدرة سوق إعادة التأمين العالمية على التعامل مع عدة أخطار في الوقت نفسه.
وتواجه شركات التأمين تحديًا إضافيًا يتمثل في محدودية البيانات الخاصة بحركة السفن، بعدما بلغت نسبة الحركة التي تعذر تتبعها عبر نظام التعرف الآلي خلال يوليو نحو 70%، نتيجة إيقاف بعض السفن لأنظمة التتبع أو اعتماد مسارات بديلة، وهو ما يؤثر في قدرة شركات التأمين على التحقق من التزام السفن بالمسارات التي تم قبول وتسعير الأخطار على أساسها.
تداخل أخطار الحرب والهجمات السيبرانية
أعادت طبيعة الهجمات الحديثة فتح النقاش حول مدى ملاءمة الصياغات التقليدية لاستثناءات أخطار الحرب، خصوصًا مع ظهور حالات تتداخل فيها الهجمات العسكرية مع استخدام الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية واستهداف البنية التحتية البحرية.
وتزداد صعوبة تحديد السبب المباشر للخسارة عندما يجمع الحادث الواحد بين أضرار مادية وعناصر إلكترونية؛ فعلى سبيل المثال، قد يؤدي التدخل في أنظمة الملاحة إلى تصادم أو جنوح السفينة، ثم ينتج عن ذلك تلف في جسمها أو تسرب الحمولة أو نشوء مسؤوليات تجاه أطراف أخرى، ما يستدعي مراجعة أكثر من وثيقة تأمين لتحديد نطاق التغطية.
تداعيات تمتد إلى قطاع الطيران
لم تقتصر آثار الصراع على التأمين البحري، بل امتدت إلى قطاع الطيران مع إلغاء بعض الرحلات وتغيير المسارات وتعليق رحلات أخرى، وسط توقعات بارتفاع أسعار تأمين جسم الطائرات والمسؤولية لشركات الطيران بنسب تتراوح بين 15% و25% وفقًا لطبيعة الخطر.
وفي المقابل، لا تغطي وثائق جسم الطائرة والمسؤولية عادةً خسائر الإيرادات الناتجة عن إلغاء الرحلات أو تغيير مساراتها، ما يضيف تحديات أخرى أمام شركات الطيران وشركات التأمين على حد سواء.
التلوث النفطي يضيف بُعدًا جديدًا للمخاطر
برز خطر التلوث البيئي كأحد التداعيات الجديدة للصراع، في ظل تزايد المخاطر التي تواجه الملاحة البحرية في منطقة الخليج. وشهدت الفترة الأخيرة حادثين يتعلقان بتسربات نفطية، أحدهما في جزيرة قشم الإيرانية، حيث وصلت بقايا نفطية يُعتقد أنها ناجمة عن إصابة سفينة شحن إلى مناطق من غابات المانجروف المحمية في هارا.
كما شهدت السواحل الجنوبية لسلطنة عُمان تسربًا نفطيًا أكبر من ناقلة روسية تابعة لما يعرف بـ«أسطول الظل»، بعد تعرضها لأضرار وجنوحها قبالة جزر الحلانيات.
وتكتسب هذه الحوادث أهمية خاصة بالنسبة إلى التأمين وإعادة التأمين، نظرًا لاحتمال تداخل عدة أسباب للخسارة في الحادث الواحد، من بينها الأعمال العدائية والأضرار المادية والجنوح والتلوث النفطي والمسؤولية البيئية، وهو ما قد يؤدي إلى نشوء مطالبات متعددة ومتداخلة.
ضرورة إعادة تقييم وثائق التأمين
وتفرض هذه التطورات على شركات التأمين مراجعة صياغات وثائق التأمين البحري، مع التأكد من وضوح الأحكام المتعلقة بأخطار الحرب والتلوث والمسؤولية تجاه الغير، إلى جانب تحديد الأخطار المغطاة والاستثناءات والحدود الجغرافية للتغطية وحدود المسؤولية والتراكمات المحتملة.
كما تبرز أهمية مراجعة تغطية تكاليف تنظيف وإزالة آثار التلوث وإعادة التأهيل البيئي، والتأكد من اتساق التغطيات الأصلية مع شروط واتفاقيات إعادة التأمين.
توصيات لتعزيز قدرة قطاع التأمين على مواجهة المخاطر
وأكد اتحاد شركات التأمين المصرية أهمية المتابعة المستمرة لتطورات أسواق التأمين وإعادة التأمين إقليميًا ودوليًا، بما يساعد الشركات على اتخاذ قرارات اكتتابية مدروسة تتناسب مع طبيعة الأخطار ومستويات التعرض الفعلية، في ظل التغيرات الجيوسياسية المستمرة وشهية معيدي التأمين تجاه الأخطار الاستثنائية.
وشدد الاتحاد على ضرورة تعزيز منظومات إدارة المخاطر والاكتتاب، وإجراء مراجعات دورية للوثائق والمحافظ التأمينية، مع إيلاء اهتمام خاص بالتأمينات المرتبطة بالنقل البحري والجوي والطاقة والممتلكات والهندسة والمسؤوليات، خاصة الأنشطة المتأثرة باضطرابات سلاسل الإمداد أو إغلاق الممرات الملاحية أو تغيير مسارات النقل.
كما أوصى بتعزيز التنسيق بين إدارات الاكتتاب والمطالبات وإعادة التأمين وإدارة المخاطر والشؤون القانونية، وتحديث بيانات العملاء والأطراف ذات الصلة بصورة دورية، فضلًا عن رفع الكفاءة الفنية للعاملين في فحص وتسوية المطالبات، خصوصًا في الحالات التي تتداخل فيها أسباب متعددة للخسارة.
ودعا الاتحاد كذلك إلى مراجعة شروط واتفاقيات إعادة التأمين بصورة دقيقة، وإجراء اختبارات ضغط وسيناريوهات دورية لقياس مدى كفاية الحماية التأمينية وإعادة التأمين في مواجهة احتمالات اتساع نطاق الصراع أو استمرار الاضطرابات لفترات أطول، أو ارتفاع تكاليف النقل والطاقة والوقود.
نهج استباقي لإدارة المخاطر
وأكد الاتحاد أن التعامل مع التداعيات التأمينية للتطورات الجيوسياسية يتطلب نهجًا استباقيًا يقوم على التقييم المستمر للمخاطر، ودقة المعلومات، والتنسيق بين الإدارات، ووضوح شروط التغطية، وكفاية الحماية من خلال إعادة التأمين وسرعة الاستجابة للمطالبات.
وأشار إلى أهمية مواصلة تطوير سياسات وإجراءات إدارة المخاطر المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية، ورفع كفاءة الكوادر الفنية، وتحديث نماذج الاكتتاب والتسعير، وتعزيز أدوات تحليل البيانات والسيناريوهات، بما يدعم سلامة المراكز المالية لشركات التأمين واستدامة قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه حملة الوثائق، مع تحقيق التوازن بين حماية مصالح العملاء والحفاظ على استقرار القطاع التأميني.







