ناقشت جلسة “السوق العقارية الآن: ما الذي يباع، وما الذي يواجه تحديات، وما الذي يتغير؟” ضمن فعاليات قمة “سيتي سكيب 2026″، التطورات الجوهرية التي يشهدها القطاع العقاري المصري، ورؤية المطورين لطبيعة الطلب الراهن والتحولات في تفضيلات العميل النهائي مقارنة بالمستثمر، إلى جانب تقييم مخاطر التسعير وفترات السداد الممتدة.
شارك في الجلسة المهندس فتح الله فوزي، رئيس شركة مينا للاستشارات والتطوير العقاري، والمهندس نبيل عماشة، العضو المنتدب لشركة بيبل أند بليسز للتطوير العقاري، وحازم بدران، المطور والقيادي بشركة بالم هيلز للتعمير؛ حيث قدم المشاركون رؤى عملية حول التوازن المطلوب بين أسعار المنتجات وتكاليف التطوير وآليات التحوط من التضخم.
استعرض المهندس فتح الله فوزي أبرز التحولات في السوق، مؤكداً أن المرحلة الحالية تفرض الانتقال من مجرد ضخ معروض جديد إلى فهم دقيق للقدرة الشرائية وجودة المنتج. وأوضح أن التغيرات الاقتصادية تدفع الشركات لإعادة النظر في منتجاتها وفق طبيعة كل منطقة جغرافية، مع مراقبة حركة الطلب الفعلي لتحقيق التوازن بين سعر البيع وتكلفة التنفيذ بما يضمن استمرارية النمو.
من جانبه، طرح المهندس نبيل عماشة تحليلاً لواقع السوق الذي يعتمد بشكل كبير على مبيعات الخارطة (البيع قبل التنفيذ) مقارنة بالأسواق العالمية الناضجة التي تعتمد على العقارات القائمة بالفعل والتمويل العقاري.
وأشار عماشة إلى أن العميل في مصر هو الممول الحقيقي للمطور، إلا أن سلوك العميل النهائي شهد تحولاً جذرياً؛ إذ لم يعد يشتري مجرد وحدة بل ينشد “نمط حياة” وتصميماً يلبي متطلبات عائلته اليومية والاجتماعية.
وحذر عماشة من خطورة سباق التنافس عبر التوسع في فترات السداد التي تصل إلى 10 و12 عاماً، مؤكداً أنها “حلول وقتية ولا يمكن الاعتماد عليها لتحقيق نمو مستدام”، حيث تحمل العميل والمطور مخاطر مضاعفة في حال تقلبات أسعار الفائدة.
وشدد على أن التركيز يجب أن ينصب على “السعر العادل” للوحدة القائم على تقديم قيمة حقيقية، مشيراً إلى أن فترات السداد بين 6 و8 سنوات تعد الأكثر توازناً لتحقيق تدفقات نقدية إيجابية وسريعة، وتجنيب العميل التضخم الخفي المدرج في فترات السداد الطويلة.
وفيما يتعلق بأفضل فرص الاستثمار للمرحلة المقبلة، أوضح عماشة أن الشقق الفندقية والوحدات المخدومة تمثل الأفكار الاستثمارية الأكثر ذكاءً على المدى الطويل، خاصة في مناطق جاذبة مثل الساحل الشمالي وغرب القاهرة، مستفيدة من نمو الحركة السياحية ونقص الغرف الفندقية.
بدوره، بيّن حازم بدران أن طبيعة المشتري في السوق تباينت خلال السنوات الأخيرة؛ حيث ساد العميل المستثمر خلال الأعوام السابقة، بينما تشهد الفترة الحالية تراجعاً للمستثمر لصالح العميل الراغب في السكن الفعلي.
وقال بدران: “نحن نبيع منتجاً للعميل الراغب في السكن، بينما نبيع فترة سداد للمستثمر”. وأضاف موضحاً أن التنافس عبر إطالة فترات السداد لـ 10 أو 12 سنة يُعد “طريقة منافسة غير مضبوطة” تُلقي بضغوط شديدة على الشركات الصغرى والمتوسطة التي لا تمتلك الملاءة المالية للمطورين الكبار، مما يشكل خطراً كلياً على استقرار القطاع.
وحول كيفية تحوط المطورين من ارتفاع تكاليف البناء وتثبيت السعر للعميل على مدار 3 إلى 4 سنوات (مدة التنفيذ)، كشف بدران أن المطور يتكبد خسائر وتآكلاً في هامش ربحه على المدى القريب نتيجة ارتفاع أسعار مواد البناء والتضخم، إلا أن “محفظة الأراضي الواسعة” تُعد الحامي الأساسي للمطور؛ حيث يتم تعويض تآكل أرباح المشروعات المباعة سابقاً من خلال إعادة تسعير المبيعات الجديدة على الأراضي المتبقية بأسعار أعلى تتواكب مع التضخم.
وأكدت المناقشات أن السوق العقاري المصري يمر بمرحلة إعادة هيكلة تفرض على الشركات الابتعاد عن سباق السنوات الطويلة والتوسع العشوائي، والتركيز على دراسة العميل، ودقة التسعير، وإدارة مخاطر التدفقات النقدية ضماناً لاستدامة المشروعات وتجنب التعثر.




