أصدرت مبادرة “مستقبل الصحة – مبادرة عالمية من أبوظبي” ورقة بيضاء جديدة بعنوان “مستقبل الخصوبة: من التلقيح الاصطناعي إلى الطب الإنجابي المتكامل”، أُعدت بالتعاون مع مؤسسة “بي دبليو سي” الشرق الأوسط بصفتها المساهم المعرفي. وتتناول الورقة استكشاف سبل إسهام التطورات في مجالات العلوم وعلم الجينوم والذكاء الاصطناعي والصحة الرقمية وطرق تقديم الرعاية في إعادة تشكيل نموذج خدمات الطب الإنجابي، وكيف تعمل إمارة أبوظبي على تسريع تحويل طموحاتها في مجال الصحة الإنجابية إلى تغييرات ذات أثر ملموس على مستوى المنظومة الصحية.
ويدخل الطب الإنجابي اليوم مرحلة جديدة؛ إذ تمكّن تقنيات المساعدة على الإنجاب ملايين الأفراد والأسر من تحقيق حلم الإنجاب، مع ولادة ما يقدر بنحو 9.8 إلى 13 مليون طفل حول العالم باستخدام هذه التقنيات بين عامي 1978 و2018. وفي الوقت نفسه، تقدر منظمة الصحة العالمية أن نحو شخص بالغ من كل ستة أشخاص يعاني من العقم في مرحلة ما من حياته. وتؤكد الورقة البيضاء أن مستقبل رعاية الخصوبة يتجاوز التلقيح الاصطناعي بوصفه إجراءً علاجياً منفرداً، ليتجه نحو نموذج أوسع يدعم الأفراد والأسر في مختلف مراحل رحلة الصحة الإنجابية.
ويرتكز نهج إمارة أبوظبي في هذا المجال على “برنامج أبوظبي لمستقبل الصحة الإنجابية”، الذي تقوده دائرة الصحة – أبوظبي، ويجمع ثلاثة محاور مترابطة تشمل التوعية والوقاية عبر مختلف مراحل الحياة، وإتاحة خدمات الرعاية الصحية الإنجابية وتوفير التغطية اللازمة لها، إلى جانب القدرات التمكينية التي تشمل الأطر التنظيمية وعلم الجينوم والتقنيات الرقمية. وفي إطار هذا البرنامج الأوسع نطاقاً، يركز إطار خاص بالتلقيح الاصطناعي على تجربة المرضى والبنية التحتية للمنشآت والكوادر والتكنولوجيا والابتكار والشراكات العالمية، بما يعزز القدرات اللازمة لتقديم رعاية عالية الجودة في مجال الخصوبة وربطها بالمنظومة الأوسع للصحة الإنجابية.
وبهذا الصدد، قالت سعادة الدكتورة نورة خميس الغيثي، وكيل دائرة الصحة – أبوظبي: “يدخل الطب الإنجابي عالمياً حقبة جديدة بإمكانات واعدة، حيث تتيح لنا التطورات في العلوم وعلم الجينوم والذكاء الاصطناعي والصحة الرقمية سبلاً جديدة لفهم العوامل المرتبطة بالخصوبة، وتخصيص خدمات الرعاية، وتحسين النتائج الصحية لعدد أكبر من الأفراد. لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي؛ فالفرصة الحقيقية تكمن في الجمع بين البحث والرعاية السريرية والابتكار، بما يتيح للأفراد تلقّي خدمات الرعاية ضمن تجربة متكاملة بدلاً من خدمات منفصلة”.
وأضافت سعادتها: “نعمل في أبوظبي على تعزيز هذا النهج، من خلال الجمع بين السياسات والخبرات السريرية والبحوث والتكنولوجيا والتعاون ضمن منظومة مترابطة للصحة الإنجابية. ونشارك هذه المنهجية مع العالم عبر مبادرة مستقبل الصحة، وندعو الجميع للمشاركة في هذه الجهود والإسهام في رسم ملامح مستقبل تكون فيه خدمات الصحة الإنجابية والخصوبة أكثر يسراً وتكاملاً وأكثر تخصيصاً بما يتناسب مع احتياجات كل فرد”.
وتعمل أبوظبي على تحويل هذا النهج المتكامل إلى واقع عملي. ففي عام 2025، وسّع مركز أبوظبي للصحة العامة نطاق برنامج الفحص الدوري الشامل (افحص)، ليشمل فحوص الصحة الإنجابية للرجال والنساء الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و35 عاماً. كما يحدد معيار رعاية ما قبل الحمل لعام 2026 مسارات إحالة منظمة إلى خدمات علم الوراثة والتوليد وأمراض النساء وخدمات الخصوبة عند الحاجة. كما يدعم برنامج الفحص الجيني الموسع قبل الزواج الكشف المبكر عن المخاطر الوراثية؛ وحتى يوليو 2026، خضع للفحص 11,748 زوجاً، وتم تحديد 565 حالة من عدم التوافق الجيني. ويسهم ذلك في تمكين الأزواج المعنيين من الحصول على الاستشارات الجينية وخدمات الرعاية الصحية المناسبة، واتخاذ قرارات مدروسة، والحد من مخاطر انتقال الاضطرابات الوراثية إلى الأجيال المقبلة.
وفي مجال التلقيح الاصطناعي، اعتمدت أبوظبي معايير موحدة لتجربة المرضى وقياس الجودة؛ إذ يُطلب من مقدمي الخدمات المرخصين الإبلاغ عن معدلات الحمل السريري والمواليد الأحياء بحسب الفئات العمرية، إلى جانب مضاعفات العلاج والنتائج المخبرية. كما يتم تخصيص منسقين لرعاية المرضى الخاضعين للتلقيح الاصطناعي لدعمهم في المواعيد والمتابعة والتواصل، فيما تتيح الخدمات الرقمية عبر منصة “تم” الحجز والتسجيل وإتمام إجراءات الوصول عن بُعد. وفي هذا السياق، أعلنت دائرة الصحة – أبوظبي أن معدل نجاح عمليات التلقيح الاصطناعي تجاوز 51% في عام 2024، ليرتفع إلى 59% على مستوى الإمارة في عام 2026، مع استهداف بلوغ 80% بحلول عام 2030.
من جانبه، قال أسامة أبو هنطش، الشريك في قطاع الصناعات الصحية لدى بي دبليو سي الشرق الأوسط: “يمتد مستقبل الطب الإنجابي إلى ما هو أبعد بكثير من التطورات في علاجات التلقيح الاصطناعي. وتستكشف هذه الورقة البيضاء الفرصة المتاحة للانتقال من نهج تفاعلي يركز بصورة رئيسية على التعامل مع العقم، إلى نموذج أكثر استباقية يولي أهمية أكبر للوقاية والكشف المبكر عن مخاطر الصحة الإنجابية واتخاذ قرارات مدروسة. كما تسلط الضوء على إمكانات التطورات في علم الجينوم والتقنيات الناشئة للارتقاء بخدمات الرعاية، مع ضمان استناد الابتكار إلى أدلة علمية قوية وتحويله إلى نتائج سريرية ملموسة وتجارب أفضل للمرضى. وتوفر منهجية إمارة أبوظبي المتطورة رؤى قيّمة للنظم الصحية الساعية إلى تعزيز رعاية إنجابية أكثر وقائيةً وتخصيصاً وتركيزاً على النتائج الصحية”.
وفيما يتعلق بالمرحلة المقبلة، تحدد الورقة البيضاء ثلاثة مجالات يمكن لإمارة أبوظبي من خلالها البناء على هذه الأسس، وهي تطوير رعاية إنجابية أكثر شمولاً وتكاملاً؛ وربط التكنولوجيا والابتكار بالاكتشافات العلمية؛ ومواءمة القدرات عالمية المستوى بما يخدم النتائج السريرية التي تهم المرضى. كما تشدد الورقة على ضرورة التمييز بين التقنيات الراسخة في مجال الرعاية، وتلك التي لا تزال قيد التقييم، والتقنيات التي ما زالت في مراحل تجريبية، بما يضمن تبني الابتكارات استناداً إلى الأدلة المناسبة وضمن أطر واضحة للإشراف والحوكمة.
وتندرج الورقة البيضاء ضمن سلسلة “رؤى وتصورات أبوظبي” التي تصدرها مبادرة مستقبل الصحة، وتجسد شعارها لعام 2026 “نحو نظم صحية تستشعر المخاطر استباقياً”، من خلال استكشاف كيف يمكن للرؤى المستخلصة في مراحل مبكرة وبدقة أن تدعم منظومات صحية أكثر قدرة على التنبؤ والوقاية، وأكثر تخصيصاً بما يتناسب مع احتياجات الأفراد.







