تُعد عمارة «سورناجا» (Sournaga) الكائنة بشارع قصر النيل في قلب القاهرة واحدة من أبرز التحف المعمارية والتراثية التي تزين منطقة وسط البلد، وتمثل نموذجًا فريدًا يجمع بين الجمال الفني، والرقي، والفخامة، والإبداع المعماري الذي ميّز بدايات القرن العشرين. فالعمارة لا تقتصر قيمتها على كونها مبنى تاريخيًا، بل تُجسد روح عصر كامل من الثراء المعماري والتأثر بالمدارس الأوروبية الحديثة آنذاك.
أنشأ العمارة رجل الأعمال الإيطالي الشهير صموئيل سورناجا (Samoeil Sournaga)، الذي قدم إلى مصر في مطلع القرن العشرين، وأسهم بشكل بارز في تطوير الصناعات المرتبطة بمواد البناء. ففي عام 1905، أسس مصنعًا للطوب الأحمر الحراري والفخار والخزف والقيشاني بمركز الصف جنوب حلوان، ليصبح أحد رواد هذه الصناعة في مصر، وهو ما انعكس لاحقًا على اختياراته المعمارية ومواد البناء المستخدمة في عمارته الشهيرة.
وقد صمم عمارة «سورناجا» المهندس المعماري الإيطالي البارز أنطونيو لاشياك بك (Antonio Lasciac Bey)، كبير مهندسي القصور الخديوية وعضو لجنة حفظ آثار الفنون العربية، وأحد أشهر وأهم المعماريين الذين عملوا في مصر بين أواخر القرن التاسع عشر وحتى ثلاثينيات القرن العشرين. وتولى لاشياك الإشراف الكامل على تنفيذ المبنى، الذي شُيّد عام 1930.
جاء تصميم العمارة وفق الطراز التعبيري (Expressionist Architecture)، وهو اتجاه معماري نشأ في أوروبا، خاصة في ألمانيا، خلال العقود الأولى من القرن العشرين، ويتميز بالأشكال الجريئة والتعبير الفني القوي. وتم استخدام الطوب الأحمر الحراري في تكسية الواجهات، ما منح المبنى طابعًا مميزًا ودائمًا.
أُقيمت العمارة على مساحة 355 مترًا مربعًا، ويصل ارتفاعها إلى نحو 35 مترًا، وتتكون من ثمانية أدوار تشمل دورًا أرضيًا مخصصًا للمحلات التجارية، وطابق ميزانين، وستة أدوار علوية تضم شققًا سكنية. كما نقل صموئيل سورناجا المقر الرئيسي لشركته إلى هذا المبنى، ليجمع بين النشاط التجاري والسكني.
تقع العمارة في 2 حارة كونت «زغيب» المتفرعة من شارع قصر النيل، وقد جرى تسجيلها رسميًا ضمن قائمة العقارات ذات القيمة التراثية المتميزة بمحافظة القاهرة لدى الجهاز القومي للتنسيق الحضاري. وشهدت مؤخرًا أعمال تطوير وتجديد باستخدام تقنية التنظيف بالبخار لإعادة واجهاتها إلى ألوانها الأصلية، وذلك في إطار المشروع القومي لإحياء القاهرة الخديوية، حفاظًا على مكانتها كدرة معمارية خالدة.




