أدت التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط إلى هزّ الأسواق العالمية، مع ارتفاع حاد في أسعار النفط والذهب، وزيادة حالة عدم اليقين بشأن مسار الأسواق الإقليمية في المدى القريب.
وقال جوش جيلبرت، محلل الأسواق لدى إيتورو: “الأسواق تكره عدم اليقين، والمستثمرون يواجهون حالياً واحدة من أكثر الخلفيات الجيوسياسية تعقيداً منذ سنوات. السؤال الأهم ليس فقط ما الذي حدث، بل إلى متى سيستمر هذا الاضطراب، وهل سنشهد تصعيداً إضافياً أم بوادر تهدئة خلال الأيام المقبلة.”
وتبقى سوق أبوظبي للأوراق المالية (ADX) وسوق دبي المالي (DFM) مغلقتين يومي الاثنين والثلاثاء، في خطوة نادرة خارج إطار العطلات الرسمية، ما يعكس خطورة الأوضاع. ويتركز اهتمام المستثمرين حالياً على شكل إعادة الافتتاح عند استئناف التداول.
وأضاف جيلبرت: “التجارب السابقة تظهر تباين النتائج. بعد إيقاف التداول في تركيا إثر زلزال 2023، شهدت الأسواق ارتفاعاً قوياً عند إعادة الافتتاح، بينما كان المشهد أكثر قتامة بعد تعليق التداول في روسيا عقب غزو أوكرانيا. بالنسبة لأسواق الإمارات، ستكون الساعات الـ48 إلى 72 المقبلة حاسمة.”
النفط في بؤرة الاهتمام
كان النفط أول المتأثرين، حيث قفز خام برنت بنسبة تصل إلى 13% ليبلغ نحو 82 دولاراً للبرميل، مدفوعاً بمخاوف تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.
وقال جيلبرت: “حتى دون إغلاق كامل لمضيق هرمز، فإن أي اضطراب في حركة الناقلات كافٍ لإرباك أسواق الطاقة. كما أن الرسائل المتضاربة الصادرة عن إيران تزيد من حالة الضبابية التي يحاول المستثمرون تسعيرها.”
ومع ذلك، توجد عوامل تخفف من حدة الصدمة على المدى القصير، إذ دخل سوق النفط العالمي هذه الأزمة في حالة فائض نسبي في المعروض، كما أعلنت أوبك+ عن زيادة إنتاجية بنحو 206 آلاف برميل يومياً لشهر أبريل. كذلك تمتلك دول كبرى مثل الولايات المتحدة والصين احتياطيات استراتيجية كبيرة، فيما تملك السعودية قدرة على إعادة توجيه بعض صادراتها عبر خطوط أنابيب بديلة.
وأشار جيلبرت إلى أن:
“هذه العوامل توفر دعماً مؤقتاً، لكن استمرار التوترات سيؤدي إلى ضغوط تضخمية عالمية عبر ارتفاع تكاليف النقل والطاقة.”
الذهب يرتفع والأصول عالية المخاطر تتراجع
سجّل الذهب ارتفاعاً ملحوظاً متجاوزاً 5,350 دولاراً للأونصة، مع مكاسب تقارب 22% منذ بداية العام، ما يعكس عودته كملاذ آمن في أوقات التوتر.
وأوضح جيلبرت: “يبقى الذهب الوجهة المفضلة للمستثمرين خلال فترات التوتر الجيوسياسي، ومن غير المرجح أن يتراجع الطلب عليه ما لم نشهد تهدئة ملموسة.”
في المقابل، تعرضت الأصول عالية المخاطر، بما في ذلك العملات الرقمية، لضغوط بيعية في ظل توجه المستثمرين نحو الأصول الدفاعية.
التأثير المباشر على اقتصاد الإمارات
لا تقتصر التداعيات على الأسواق المالية، بل تمتد إلى قطاعات رئيسية في الاقتصاد الإماراتي، مثل العقارات، والسياحة، والطيران، والتجزئة.
شهدت دبي خلال العام الماضي مبيعات شهرية تقارب 13 ألف وحدة سكنية بمتوسط سعر 2.5 مليون درهم، مدعومة بتدفقات الاستثمار الأجنبي ونمو أعداد المقيمين. ومع دخول نحو 350 ألف وحدة جديدة إلى السوق خلال العامين المقبلين، فإن أي تراجع مستدام في الثقة أو تدفقات رؤوس الأموال قد يشكل تحدياً لامتصاص المعروض.
كما يشكل قطاع السياحة نحو 13% من الناتج المحلي الإجمالي للإمارات في 2025، ومع إلغاء مئات الرحلات الجوية وتعليق بعض العمليات، بدأت التأثيرات تظهر بالفعل.
وقال جيلبرت:
“منظومة التجزئة والضيافة في دبي تعتمد بشكل أساسي على سهولة الوصول والاتصال العالمي. أي اضطراب طويل في المجال الجوي أو ثقة السياح سيضغط على النمو في المدى القريب.”
ورغم أن ارتفاع أسعار النفط قد يوفر دعماً مالياً، فإن الاقتصاد الإماراتي اليوم أكثر تنوعاً واعتماداً على الخدمات مقارنةً بما كان عليه قبل عقد من الزمن، ما يجعله أكثر حساسية تجاه تعطل السياحة وثقة المستثمرين.
نظرة طويلة الأجل
واختتم جيلبرت بالقول: “رد الفعل الفوري في مثل هذه الظروف يكون غالباً مدفوعاً بالعاطفة، لكن بالنسبة للمستثمرين على المدى الطويل، فإن تجنب القرارات المتسرعة غالباً ما يكون الخيار الأفضل. إذا ظهرت مؤشرات تهدئة سريعة، فإن الأسس الاقتصادية طويلة الأجل للإمارات — من بنية تحتية متطورة وإطار تنظيمي جاذب للاستثمار — تظل قائمة. التقلبات قصيرة الأجل لا تمحو عقوداً من التقدم الهيكلي.”







