تتجه الأسواق إلى لحظة قد تكون فارقة، إذ قد تُحدِّد الساعات الـ12 إلى 24 المقبلة المسار القريب عبر فئات الأصول. وبعد نهاية أسبوع متقلبة، يتعامل المستثمرون مع مشهد ثنائي الاحتمالات بشكل متزايد مع تصاعد الحذر حول مضيق هرمز وسط توترات بين أطراف إقليمية ودولية.
خلال الـ48 ساعة الماضية، شهدت المعنويات تبدلات حادة. في أواخر الأسبوع الماضي، ظهرت إشارات أولية على التهدئة مع حديث عن إمكان بدء مفاوضات وخطوات نحو خفض التصعيد. لكن تلك التوقعات تراجعت سريعاً خلال عطلة نهاية الأسبوع، إذ أعادت تصريحات أكثر حدة حول إجراءات قد تطال البنية التحتية للطاقة في حال استمرار القيود على المضيق حالة عدم اليقين إلى الواجهة. زاد من التوتر صدور بيانات لاحقة عززت المخاوف. وأشارت الإشارات المتعلقة بالطاقة والمياه في الخليج إلى احتمال اتساع الاضطرابات وارتفاع مستويات المخاطر. وتطوّر المشهد إلى حالة جمود استراتيجية تتمحور حول أمن الملاحة في مضيق هرمز، الشريان الحيوي لتدفقات الطاقة عالمياً. وبالنسبة للأسواق، يظل هذا هو العامل الحاسم: طالما بقيت التدفقات مقيدة، تبقى مخاطر صدمة طاقة ممتدة مرتفعة.
مخاطر ثنائية للأسواق
يقدّم الوضع الراهن سيناريو مخاطر ثنائي بوضوح. في حالة التصعيد، ولا سيما إذا حدثت إجراءات مباشرة ضد بنية الطاقة التحتية، قد نشهد رد فعل حاداً في الأسواق: قفزة في أسعار النفط إلى ما فوق 120 دولاراً، صعوداً في العوائد بفعل مخاوف التضخم، قوة في الدولار الأمريكي، وتراجعات ملحوظة في الأسهم.
وفي المقابل، إذا هدأت التوترات أو لم تتحقق موجة التصعيد المتوقعة، فقد نشهد ارتداداً قوياً في الأصول الخطرة: تعافي الأسهم، انخفاض العوائد، تراجع الدولار وتحسّن في الذهب، خاصةً مع تموضع يميل مسبقاً إلى تجنّب المخاطر. حتى ذلك الحين، تبدو المؤشرات في أوروبا وآسيا والولايات المتحدة في حالة ترقّب، مع صعوبة تحديد اتجاه واضح وتفضيل المستثمرين الانتظار قبل اتخاذ رهانات كبيرة.
صدمة الطاقة تقود السرد
تقف أسواق الطاقة في قلب المشهد. تظل أسعار النفط مرتفعة، لكن العناوين الرئيسية لا تعكس الصورة كاملة. تحت السطح، تظهر اختلالات ملحوظة عبر أسواق الطاقة العالمية. اتسع الفارق بين خام برنت وغرب تكساس إلى أعلى مستوياته منذ سنوات، بما يعكس عدم توازن المخاطر على الإمدادات. وبينما ارتفعت أسعار الخام الأمريكي، قفزت المؤشرات الدولية ، خصوصاً المرتبطة بالإمدادات البحرية بوتيرة أسرع مع زيادة مخاطر طرق الشحن العالمية.
وفي بعض المناطق، لا سيما أجزاء من آسيا، تُتداول الأسعار الفعلية للنفط عند مستويات أعلى بكثير مما تُظهره العقود الآجلة، ما يبرز اتساع الفجوة بين الأسواق الورقية وظروف الإمداد الفعلية ، إشارة إلى أن التأثير الكامل للاضطرابات لم ينعكس بعد في التسعير.
الذهب والدولار والأوضاع المالية
ومن السمات اللافتة مؤخراً سلوك الأصول التي تعد ملاذاً آمناً تقليدياً. فقد تعرّض الذهب لضغوط رغم حالة عدم اليقين، نتيجة مزيج من ارتفاع العوائد، وقوة الدولار الأمريكي، وعوامل تموضع بعد موجة صعود ممتدة. في المقابل، ازداد الطلب على الدولار باعتباره الأوفر سيولة وملاذاً نقدياً، مدعوماً بارتفاع العوائد وازدياد الاحتياج المرتبط بارتفاع أسعار النفط. وقد بدأ هذا التشدد في الأوضاع المالية يتسرّب عبر الأسواق، ما يعزز ميول الابتعاد عن المخاطر.
هل تتأخر البنوك المركزية عن المواكبة؟
رغم حجم التطورات، تتعامل البنوك المركزية بحذر في إدماج صدمة الطاقة ضمن أطر سياستها. تعكس الرسائل الصادرة نهج الانتظار والترقب، مع اعتراف محدود حتى الآن بالأثر الممتد لهذه التطورات. وهذا يثير احتمال أن الأسواق وصناع السياسات ما زالوا يقلّلون من اتساع التداعيات. وحتى لو تم احتواء الاضطرابات المباشرة، فمن المرجح استمرار ارتداداتها على التضخم والنمو والأوضاع المالية. صدمات الطاقة من هذا النوع غالباً ما تترك أثراً ممتداً يشمل الإنتاج الصناعي والإنفاق الاستهلاكي.
قصة لم تنتهِ بعد.
حتى في أفضل السيناريوهات، تبقى العوامل الكامنة غير محسومة. فالأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز وتباين الحوافز بين الأطراف يشيران إلى بقاء التقلبات مرتفعة. بالنسبة للمستثمرين، لا يقتصر الأمر على مخاطرة حدث قصير الأجل، بل بداية مرحلة أطول من عدم اليقين. قد تحدد الساعات القليلة المقبلة الاتجاه الفوري، لكن المشهد الأوسع يشير إلى اضطرابات في أسواق الطاقة، وارتفاع المخاطر الكلية، وتشدد في الأوضاع المالية، مع توقعات باستمرار هذه العوامل خلال الأسابيع المقبلة.







