تشهد منظومة التصالح في مخالفات البناء في مصر تطورات تشريعية جديدة تستهدف تسريع إنهاء هذا الملف الممتد منذ سنوات، إلى جانب التخفيف عن المواطنين وتوسيع نطاق الاستفادة من القانون، بما يضمن تقنين الأوضاع القائمة وفق ضوابط قانونية واضحة، وتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية العمرانية والحفاظ على السلامة الإنشائية والمصلحة العامة.
وتأتي أبرز التعديلات الجديدة في إطار توجه حكومي لإعادة تنظيم إجراءات التصالح وتبسيطها، حيث تم مد فترة تقديم طلبات التصالح لمدة عام إضافي، بهدف منح فرصة أكبر للمواطنين الذين لم يتمكنوا من استكمال ملفاتهم خلال الفترات السابقة.
ويأتي هذا القرار استجابة للإقبال المتزايد على المنظومة، ورغبة في تقليل حالات البناء غير المرخص عبر إتاحة مسار قانوني واضح للتسوية.
كما شملت التعديلات إقرار حزمة من التخفيضات على قيم التصالح في بعض الحالات، حيث تصل نسب الخصم إلى 50% لفئات محددة، مع وجود تخفيضات إضافية قد تصل إلى 70% في بعض المحافظات، وذلك في إطار سياسات تهدف إلى تخفيف الأعباء المالية عن المواطنين وتشجيعهم على الإسراع في تقنين أوضاعهم.
وتعد هذه التخفيضات من أبرز الحوافز التي طرحتها الدولة خلال المرحلة الحالية لدفع معدلات التسوية إلى الأمام.
وفي سياق متصل، تم التوسع في استخدام وسائل الدفع الإلكتروني ضمن منظومة التصالح، بما يساهم في تسهيل إجراءات السداد وتقليل التعاملات الورقية، إضافة إلى تحسين كفاءة الخدمات المقدمة داخل المراكز التكنولوجية. ويهدف هذا التطوير إلى تعزيز الشفافية وتبسيط الإجراءات أمام المواطنين.
ومن التعديلات المهمة أيضاً السماح باستكمال بعض الأعمال الإنشائية، مثل صب الأسقف أو تنفيذ أعمال التعلية، وذلك للحالات التي حصلت بالفعل على نموذج التصالح النهائي واستوفت الإجراءات القانونية المطلوبة، وهو ما يمثل انفراجة مهمة للعديد من أصحاب العقارات الذين كانت أعمالهم متوقفة بسبب المخالفات السابقة.
في المقابل، شدد القانون على وجود حالات لا يجوز التصالح بشأنها، نظراً لخطورتها أو لتعارضها مع المصلحة العامة. وتشمل هذه الحالات المخالفات التي تمس السلامة الإنشائية للمباني، أو التعدي على خطوط التنظيم المعتمدة وحقوق الارتفاق، بالإضافة إلى المخالفات الخاصة بالمباني ذات الطراز المعماري المتميز. كما يحظر التصالح في حالات تجاوز قيود الارتفاع المرتبطة بمتطلبات الدفاع عن الدولة أو الطيران المدني.
ويشمل الحظر أيضاً البناء على الأراضي الخاضعة لقوانين حماية الآثار أو التعدي على مجرى نهر النيل، لما تمثله هذه المناطق من أهمية تاريخية وبيئية وقانونية، تتطلب حماية صارمة من أي مخالفات إنشائية أو تعديات عمرانية.
وتسعى الحكومة من خلال هذه التعديلات إلى تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين تقنين الأوضاع القائمة، ومنع استمرار المخالفات الجديدة، مع توفير إطار قانوني منضبط يضمن سلامة المباني ويحافظ على التخطيط العمراني للدولة. كما تهدف هذه الإجراءات إلى إنهاء أحد أكثر الملفات تعقيداً في قطاع الإسكان، عبر حلول عملية تعتمد على التيسير التدريجي دون الإضرار بالمعايير الهندسية أو القانونية.
ويُتوقع أن تسهم هذه التعديلات في زيادة معدلات الإقبال على التصالح خلال الفترة المقبلة، خاصة مع استمرار التسهيلات المالية والإجرائية، ما يعكس رغبة واضحة في تحويل ملف مخالفات البناء من أزمة ممتدة إلى منظومة قانونية مستقرة قابلة للتنفيذ والمتابعة.




