الرئيس التنفيذي
أشرف الحادي

رئيس التحرير
فاطمة مهران

أخطر التسريبات: نزيف الاستثمار الأجنبي

في سباق التنافس على جذب الاستثمارات الأجنبية، يمكن أن تواجه الدول أضراراً داخليةً تؤدي إلى تسريب يصل إلى 25% من المستهدف من تدفقات الاستثمار الأجنبي، بسبب ممارسات بعض الشركاء المحليين تجاه حقوق المساهمين الخليجيين. ولوقف هذا النزيف، نضع أصابعنا على الجرح الاستثماري ونستعرض القصة كاملةً.

 

أولاً: القدرات التنافسية والواقع الرقمي

نعم، تمتلك مصر قدراتٍ تنافسيةً واضحةً في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، مدعومةً بموقعها الجغرافي الاستراتيجي وسوقها الاستهلاكية الكبيرة وشبكة اتفاقيات التجارة الحرة مع أفريقيا وأوروبا والدول العربية.

 

ووفقاً لبيانات “الأونكتاد” في تقرير الاستثمار العالمي 2025، احتلت مصر المركز الأول أفريقياً والتاسع عالمياً في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عام 2024 بقيمة بلغت نحو 47 مليار دولار. وقد جاءت هذه التدفقات مدفوعةً بصفقة “رأس الحكمة” الإماراتية البالغة 35 مليار دولار، إلى جانب استثمارات سعودية كبيرة عبر صندوق الاستثمارات العامة في قطاعات اللوجستيات والكيماويات والتمويل، وتدفقات كويتية تاريخية في البنوك والعقارات، واستثمارات قطرية وبحرينية وعمانية في السياحة والصناعة والخدمات.

 

ويأتي ذلك في إطار قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017، الذي نصت مادته الرابعة على عدم جواز تأميم المشروعات الاستثمارية أو مصادرتها إدارياً، ونصت مادته السادسة على حق المستثمر في تحويل أرباحه وأمواله المستثمرة إلى الخارج دون قيود. ويتمتع القطاع الخاص المصري بخبرة متراكمة في إدارة الشراكات الكبرى، لا سيما في قطاعات التشييد والبناء والسياحة والصناعة والخدمات اللوجستية.

 

ثانياً: تاريخ الشراكة الخليجية المصرية

يعود الاستثمار الخليجي في مصر إلى أكثر من أربعة عقود. بدأ باستثمارات كويتية وسعودية في القطاع المصرفي والعقاري خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ثم تعاظم بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد وتطبيق برامج الانفتاح الاقتصادي. وشهدت الفترة من 2014 إلى 2024 تدفقاتٍ كبيرةً من الإمارات والسعودية وقطر والبحرين وعُمان تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات في مشروعات البنية التحتية والسياحة والصناعة.

 

ثالثاً: الجرح الاستثماري – ضعف التنفيذ وسوء الممارسة

في قلب هذه التحديات تبرز ممارسات بعض الشركاء المحليين الذين يستغلون ظاهرة “زواج السلطة بالمال” ونفوذهم الإداري والسياسي، مستفيدين من ضعف التنفيذ الفعلي للقوانين وغياب الإجراءات الرقابية الصارمة وافتقار ثقافة احترام الشراكات الاستثمارية الحقيقية. وهو ما يؤثر تأثيراً مباشراً على استقرار الشراكات الخليجية: الكويتية والسعودية والإماراتية والقطرية والبحرينية والعمانية.

 

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن المحاكم الاقتصادية في مصر نظرت في 35,813 قضية خلال عام 2023 وحده، وفقاً لبيانات وزارة العدل. ويشكل جزءٌ كبيرٌ منها منازعاتٍ استثماريةً وتجاريةً تتعلق بتأخير تنفيذ العقود، ونزاعات على ملكية الأراضي أو تسجيلها بالشهر العقاري، ومطالبات بتعديل الشروط التعاقدية بعد بدء التنفيذ، وعدم الالتزام بتحويل الأرباح وفقاً للاتفاق.

 

وتاريخياً، مثلت مصر أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار “ICSID” في أكثر من 30 قضية حتى عام 2020، بلغت ذروتها 22 قضية عقب أحداث عام 2011. وطُلبت تعويضاتٌ في بعض هذه القضايا بمليارات الدولارات، بينما بلغت التسويات والتعويضات المدفوعة مئات الملايين من الدولارات في القضايا التي انتهت لصالح المستثمرين أو بالتسوية الودية.

 

وتقدّر دراسات اقتصادية أن هذه الممارسات تتسبب في فقدان ما نسبته 15-25% من التدفقات الاستثمارية الأجنبية المحتملة سنوياً، مما يحرم الاقتصاد المصري من مليارات الدولارات الإضافية التي كان يمكن جذبها من الشركاء الخليجيين لو توافرت بيئة تنفيذية قوية وثقافة شراكة قائمة على الاحترام والثقة.

 

رابعاً: الفجوة بين النص التشريعي والتطبيق العملي

ورغم قوة النصوص القانونية في قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017، وخصوصاً المادة 20 المتعلقة بـ”الرخصة الذهبية” التي تمنح موافقةً واحدةً من مجلس الوزراء تشمل جميع التراخيص وتخصيص الأراضي، فإن الفجوة بين النص والتطبيق لا تزال واسعةً.

 

وتتجلى هذه الفجوة في اللوائح التنفيذية والقرارات الوزارية التي تضيف إجراءاتٍ إضافيةً، وفي تصريحات المسؤولين التي تؤكد تيسير الإجراءات بينما يواجه المستثمر واقعاً بيروقراطياً معقداً في الشهر العقاري وهيئات التخطيط والمرافق.

 

كما يلعب مجلس الدولة دوراً مزدوجاً؛ فهو حارس المشروعية الإدارية، لكنه في كثير من الأحيان يصدر أحكاماً تبطل قرارات تخصيص الأراضي أو التعاقدات بعد سنوات من التنفيذ الفعلي، مما يولّد حالةً من عدم الاستقرار القانوني واليقين. ويتفاقم الأمر بغياب سقفٍ زمنيٍ ملزم للفصل في الدعاوى الاستثمارية وتداخل الاختصاصات بين الجهات الحكومية المختلفة.

 

خامساً: خارطة طريق لوقف النزيف

ولتحويل القدرات المصرية إلى تدفقات استثمارية مستدامة مع الشركاء الخليجيين، لا بد من اتخاذ إجراءاتٍ عمليةٍ حاسمةٍ تعالج جذور المشكلة:

1. إنشاء قضاء استثماري سريع وملزم: تأسيس محكمة استثمارية متخصصة أو مركز تحكيم وطني يفصل في المنازعات الاستثمارية خلال مدة لا تتجاوز 12 شهراً، مع تفعيل نظام التحكيم الإلكتروني وربطه بالمحاكم الاقتصادية.

2. إتمام التحول الرقمي الكامل: رقمنة منظومة الشهر العقاري والتراخيص وربطها إلكترونياً بمنظومة “الرخصة الذهبية”، مع تحديد سقفٍ زمنيٍ لكل إجراء ونشر تقارير دورية تقيس أداء الجهات.

3. إنشاء مكتب مستقل لفض المنازعات: مكتب تابع لرئاسة مجلس الوزراء أو الهيئة العامة للاستثمار، مختص بتلقي شكاوى المستثمرين الأجانب والتدخل الفوري للتوسط وحل النزاعات قبل اللجوء إلى القضاء أو التحكيم.

4. توحيد العقود وشفافيتها: إصدار نماذج عقود استثمارية موحدة وشفافة، وإنشاء سجل عام إلكتروني لتسجيل جميع التعاقدات الكبرى مع إخضاعها لمراجعة مستقلة.

5. تأهيل الكوادر القضائية والإدارية: تدريب مستمر للقضاة والموظفين على أحكام قانون الاستثمار والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وإنشاء وحدة متخصصة بوزارة العدل لمتابعة قضايا التحكيم الاستثماري وتقليل كلفة التسويات.

إن تطبيق هذه الإجراءات بحزم وصرامة كفيل بتعزيز ثقة المستثمر الخليجي، ورفع كفاءة الشراكة المصرية-الخليجية، وتحقيق مستهدفات التنمية الاقتصادية المشتركة، ووقف نزيف أخطر التسريبات.

الخلاصة:

مصر تملك كل مقومات الجذب الاستثماري، لكنها تخسر 15-25% من تدفقات الخليج سنوياً بسبب فجوة التنفيذ وسوء ممارسات بعض الشركاء المحليين.
الحل ليس في قوانين جديدة، بل في إرادة تنفيذية صارمة: قضاء استثماري سريع، ورقمنة كاملة، ومكتب مستقل لفض المنازعات.
بدون ذلك سيبقى “الجرح الاستثماري” ينزف، وتضيع على الاقتصاد مليارات كانت ممكن أن تصنع فرقاً.

أخبار ذات صلة

84% من النساء في الإمارات والسعودية ومصر يتطلعن إلى المزيد من الوقت الخاص دون مقاطعات

دراسة لـ “ساكسو بنك” حول مستقبل الثروات الرقمية تكشف: البنوك تتجه بشكل متزايد نحو الشركاء الخارجيين في ظل ضغوط الذكاء الاصطناعي

نقاط الضغط: البيانات الأمريكية تقدم صورة متباينة، ومحضر اجتماع الفيدرالي يحمل إشارات مهمة للسياسة النقدية

تراجع تغيير الرؤساء التنفيذيين عالميًا إلى أدنى مستوياته في 9 سنوات.. مجالس الإدارة تفضّل الاستقرار والقيادات ذات الخبرة

ارتفاع ثقة المستثمرين في الإمارات مع تراجع المخاوف الجيوسياسية، وفقاً لاستطلاع etoro

كيف تسهم الفوترة الإلكترونية في إعادة تشكيل بنية الاقتصاد الخليجي

15% فقط من الشركات تمتلك القدرة على قياس أثر المخاطر المناخية من الناحية المالية

تقرير: 4 أسئلة جوهرية يجب على قادة الأمن السيبراني طرحها لصياغة استراتيجيات فعّالة للسيادة الرقمية

آخر الأخبار
المواصفات والجودة توقع بروتوكولًا مع PhotonX لدعم صادرات المنتجات المصرية إي اف چي هيرميس تطلق خدمات صناعة السوق في أبوظبي بيبسي شريك مهرجان الجونة للعام التاسع ودوريتوس تنضم لأول مرة مديان تستهدف إضافة أصل جديد سنويًا والتوسع في قطاعات جديدة كاسبرسكي: 80% من مستخدمي مصر يعتمدون على الذكاء الاصطناعي الإسكان تحسم الجدل: حظر الأنشطة السكنية والتجارية والإدارية ببدرومات الأراضي السكنية في المدن الجديد... سويلم يتفقد جاهزية المنظومة المائية بالشرقية لمواجهة الأمطار والسيول استعدادًا للموسم الشتوي مجموعة ريبورتاج وصباح للاستثمار تستعرض أربعة مشاريع عقارية في "سي بريز" بأذربيجان "شنايدر إلكتريك" تحصد 10 من جوائز الخليج للاستدامة 2026 إليك وصفة بسيطة لوجبة خفيفة تجمع ثلاثة عناصر غذائية أساسية غدا ..افتتاح معرض "تراثنا" للمنتجات اليدوية والتراثية بمركز مصر للمعارض الدولية دراسة جديدة لشركة البيانات الدولية تكشف عن فجوة في حوكمة الذكاء الاصطناعي مع تسارع تبنيه من قبل المؤ... وزارة الثقافة توسّع أنشطتها الإبداعية بالمحافظات والجامعات والمناطق الحدودية عبر برامج فنية وتدريبية... آيسر وإنجرام مايكرو تتعاونان لتعزيز حلول التكنولوجيا لقطاع الأعمال في السعودية "عزيزي" تُعلن عن تطوير مجمعات سكنية متكاملة مخصصة للعمال في دبي والشارقة حصول BingX EU على ترخيص MiCAR يعزّز تقديم خدمات العملات المشفرة الخاضعة للتنظيم في أنحاء أوروبا وزير التخطيط: مصر توظف الذكاء الاصطناعي لتطوير المهارات وتعزيز تنافسية سوق العمل ضمن رؤية 2030 شاروخان يعلن إطلاق مهرجان يونيفايد الموسيقي بمشاركة أريجيت سينغ وكاران أوجلا وسونو نيغام الرئيس الطاجيكي يدعو المستثمرين إلى توجيه رؤوس الأموال للإنتاج والتكنولوجيا والسياحة نائب وزير الصحة يجري جولة تفقدية على المنشآت الصحية بشمال سيناء