أبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير عند مستوى 2.25%، في خطوة جاءت متوافقة مع توقعات الأسواق، إلا أن الأنظار اتجهت سريعاً إلى الرسائل التي حملها المؤتمر الصحفي لرئيسة البنك كريستين لاغارد. فقد طغت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة على لهجة البنك، ما أعاد المخاوف التضخمية إلى الواجهة وأبقى احتمالات رفع الفائدة خلال اجتماع سبتمبر المقبل مطروحة بقوة. وفيما يلي مجموعة من التعليقات والتحليلات التي تتناول أبعاد القرار وانعكاساته على التضخم والأسواق الأوروبية ومسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
دارن كلارك، خبير تداول لدى “لونارو للخدمات المالية”
صوَّت البنك المركزي الأوروبي لصالح إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير عند مستوى 2.25% اليوم، وجاء هذا القرار منسجماً تماماً مع توقعاتنا. وخلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب الاجتماع، استعرضت كريستين لاغارد تصاعد التوترات الجيوسياسية، مشيرةً بوضوح إلى النزاع في الشرق الأوسط وتبعاته التراكمية على ارتفاع تكاليف الطاقة.
ويستهدف البنك الوصول بمعدل التضخم إلى 2% على المدى المتوسط، علماً بأنه انخفض من 3.2% في مايو إلى 2.8% في يونيو. ورغم هذا التراجع، يتوقع البنك أن يظل التضخم أعلى من المستهدف حتى مطلع العام المقبل على الأقل.
وعلى الرغم من قرار التثبيت اليوم، لا تزال الأسواق تتوقع زيادة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع سبتمبر. بيد أن السؤال المفصلي يظل: ما حجم هذه الزيادة المتوقع الذي استوعبته الأسواق بالفعل؟ وهل سنشهد الزيادة المرتقبة بمقدار 25 نقطة أساس في المرة القادمة، أم أن البنك سيكون مضطراً للجوء إلى خطوات أكثر شدة إذا ما استمرت التوترات الجيوسياسية عند مستوياتها الحارجة؟
مادور كاكار، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “إليفيت للخدمات المالية”
أقرَّ البنك المركزي الأوروبي التثبيت المتوقع لأسعار الفائدة، غير أن مفاد الرسالة كان جلياً: “توقف مؤقت، وليس ذروة المسار”. فمن خلال التركيز على مدى استدامة صدمة أسعار الطاقة وآثارها الجانبية الثانوية، أبقت كريستين لاغارد خيار الزيادة في اجتماع سبتمبر مطروحاً وبقوة دون الالتزام المسبق به.
ويرى التحليل أن البنك لن يتخذ موقفاً بناءً على أسعار النفط بمفردها؛ ولكن إذا بدأت تكاليف الطاقة المرتفعة تتسرب إلى الأجور والخدمات وتوقعات التضخم، فسيصبح من الصعب جداً تفادي زيادة أخرى بمقدار 25 نقطة أساس. وتكمن المعضلة الأكبر لأوروبا في أنها قد تجد نفسها مرغمة على تشديد السياسة النقدية وسط بيئة نمو متواضعة بالفعل، وهو ما قد يحول مشكلة التضخم المدفوع بالطاقة إلى تباطؤ اقتصادي أوسع نطاقاً.
حمزة دويك، رئيس قسم التداول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى “ساكسو بنك”
جاء قرار البنك المركزي الأوروبي بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير متوافقاً مع توقعات الأسواق على نطاق واسع، غير أن الرسالة الصادرة من فرانكفورت حملت أهمية تفوق القرار ذاته. فقد أبقى مجلس المحافظين على سعر فائدة التسهيلات الدائمة عند 2.25%، وسعر إعادة التمويل الرئيسي عند 2.40%، وسعر الإقراض الحدّي عند 2.65%، مع التمسك الصارم بمنهجية الاعتماد على البيانات الاقتصادية والامتناع عن تقديم أي التزامات مسبقة بشأن مسار الفائدة مستقبلاً.
وسلّطت رئيسة البنك، كريستين لاغارد، الضوء على حالة عدم اليقين الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة واستمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، مشيرةً إلى أن مخاطر التضخم لا تزال تحت المجهر على الرغم من انحسار الضغوط الضمنية على الأسعار.
وأظهرت ردود فعل الأسواق ارتياح المستثمرين حيال هذه النتائج؛ إذ استقر اليورو حول مستوى 1.14 دولار أمريكي دون تحركات تذكر عقب الإعلان، مما يعكس استيعاب الأسواق المسبق لسيناريو التثبيت المؤقت للسياسة النقدية. وتتجه الأنظار الآن نحو اجتماع سبتمبر القادم، حيث يسعى المستثمرون لتقييم ما إذا كانت الضغوط التضخمية الناجمة عن أسعار الطاقة ستكتسب زخماً يستدعي مزيداً من التشديد النقدي.
وبالنسبة للمستثمرين، يظل البنك المركزي الأوروبي أحد البنوك المركزية الرئيسية القليلة التي لا تزال تميل نسبياً نحو التشدد في عام 2026. ورغم استمرار نمو منطقة اليورو في مواجهة رياح معاكسة، تشمل ارتفاع تكاليف الطاقة وضبابية المشهد الجيوسياسي، فإن تركيز البنك على كبح التضخم عند مستواه المستهدف البالغ 2% يشير إلى أن خفض أسعار الفائدة ليس مطروحاً على جدول الأعمال في الوقت الراهن. ونتيجة لذلك، ستظل عوائد السندات الأوروبية شديدة الحساسية لبيانات التضخم القادمة، بينما ستواصل أسواق الأسهم الموازنة بين ميزات ثبات أسعار الفائدة والمخاوف بشأن النمو الاقتصادي.
فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في شركة “سنشري فاينانشال”
جاء قرار البنك المركزي الأوروبي متوافقاً مع توقعات الأسواق؛ إذ أبقى على سعر الفائدة الرئيسي مستقراً عند مستوى 2.25% في اجتماعه يوم أمس. ورغم أن هذا القرار كان مستوعباً بالكامل في تسعير الأسواق، فإن البنك أبقى خيار إقرار المزيد من التشديد النقدي المطروح على الطاولة.
وقد أدى اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط إلى دفع أسعار الطاقة نحو الارتفاع، مما أعاد المخاوف التضخمية إلى صدارة المشهد مجدداً. ونتيجة لذلك، شهدت سوق السندات عمليات بيع كثيفة أدّت إلى صعود العوائد. ويتابع البنك المركزي الأوضاع عن كثب لتقييم مدى حدتها ومدتها الزمنية، فضلاً عن رصد آثارها غير المباشرة والتراكمية.
كما ينتظر البنك تدفق بيانات جديدة ليحسم ما إذا كانت الضغوط السعرية الناجمة عن حرب إيران تستدعي تشديداً إضافياً؛ إذ تسعر الأسواق حالياً احتمالية تصل إلى 95% لإقرار زيادة بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماع سبتمبر المقبل.
وعلى صعيد الأسهم، تراجعت المؤشرات والأسهم الأوروبية بشكل عام يوم أمس؛ حيث ألقى الإفصاح عن أحدث نتائج الأعمال بظله على قطاعي التكنولوجيا والسلع الاستهلاكية الأساسية، في حين فرض ارتفاع أسعار النفط ضغوطاً إضافية على المؤشر المرجعي بالتزامن مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران. وتراجع مؤشر “ستوكس أوروبا 600” بنسبة 1.2% عند الإغلاق، بينما تراوحت خسائر المؤشرات الوطنية — مثل “داكس” الألماني، و”كاك 40″ الفرنسي، و”إيطاليا 40″، و”إسبانيا 35″، و”فوتسي 100″ البريطاني — بين 1% و2%.
وكان قطاع الأغذية والمشروبات الأكبر تراجعاً، حيث هبط سهم “نستله” بنسبة 8% إثر نتائج أعمال ضعيفة. وبوجه عام، لم يشكل اجتماع البنك المركزي الأوروبي محركاً رئيسياً للأسواق يوم أمس، وإن كانت الأسواق قد بدأت بالفعل في استيعاب احتمال تحول البنك نحو نبرة أكثر تشدداً في ضوء التطورات الجيوسياسية الراهنة.








