الرئيس التنفيذي
أشرف الحادي

رئيس التحرير
فاطمة مهران

خبراء الصحة النفسية يدعون مجالس إدارات الشركات في الإمارات للتعامل مع الآثار النفسية الخفية لحالة عدم اليقين الإقليمية

خلف كل تقرير عن الأرباح وكل خطة للتوسع في دولة الإمارات اليوم، هناك بند غير محسوب ضمن الميزانية يتمثل في التكلفة النفسية الناجمة عن ممارسة الأعمال في ظل حالة مستمرة من عدم اليقين الإقليمي. ورغم استمرار قوة المقومات الاقتصادية للدولة مقارنة بالعديد من الأسواق، فإن الجهاز العصبي البشري لا يقرأ الميزانيات العمومية.

في هذا السياق، يدعو الدكتور جوزيف الخوري، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي والمدير الطبي لعيادة فالينز في دبي، مجالس الإدارات والمؤسسين والرؤساء التنفيذيين إلى التعامل مع الصحة النفسية للقيادات باعتبارها قضية تتعلق بالحوكمة واستمرارية الأعمال، وليس مجرد شأن خاص تتم إدارته خلف الأبواب المغلقة. وبالنسبة إلى رواد الأعمال والتنفيذيين والقوى العاملة التي تدفع عجلة الاقتصاد الإماراتي، فيمكن لحالة عدم الاستقرار الممتدة أن تفرض تكلفة متراكمة على المدى البعيد.

مناخ من عدم اليقين

يمثل عدم اليقين بحد ذاته أحد عوامل الضغط النفسي. ومن المنظور الإكلينيكي، يمكن لحالة الغموض الممتدة أن تُبقي استجابة الجسم للتهديد في حالة نشاط مستمر، ما يؤدي إلى تراجع جودة النوم والتركيز والقدرة على اتخاذ القرارات. وبالنسبة للشركات، تظهر آثار ذلك في تجميد عمليات التوظيف، وتأجيل القرارات، والشعور المستمر بالقلق عند التخطيط في ظل أحداث لا يمكن لأحد التنبؤ بها.

وتجعل الظروف الاقتصادية الراهنة هذا الضغط أكثر وضوحاً. إذ تتوقع تحديثات الشرق الأوسط الاقتصادية للربع الثاني من عام 2026 الصادرة عن معهد المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز (ICAEW) انكماش الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة الشرق الأوسط بنسبة 4.1% هذا العام، مقارنة بنمو قدره 3.6% كان متوقعاً قبل اندلاع الصراع الحالي، إلى جانب تراجع أعداد القادمين إلى دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 30%. كما يشير التقرير إلى أن النشاط غير النفطي في الإمارات والسعودية أظهر مؤشرات على التعافي في مايو، وهو ما يؤكد إمكانية تعايش الركائز الاقتصادية المرنة في ظل استمرار الضغوط النفسية.

ولا تقتصر الصورة الإنسانية على التوقعات الحالية، ففي دراسة أجراها معهد ماكينزي للصحة عام 2022 وشملت أكثر من 4,000 موظف في السعودية والكويت والإمارات وقطر، أفاد 66% بأنهم مروا بتحدٍ واحد على الأقل يتعلق بالصحة النفسية في إحدى مراحل حياتهم، بينما أبلغ واحد من كل ثلاثة مشاركين عن أعراض مرتبطة بالاحتراق الوظيفي. كما تتماشى هذه القضية بشكل مباشر مع توجهات دولة الإمارات على صعيد السياسات العامة، إذ تتضمن الاستراتيجية الوطنية لجودة الحياة 2031 تعزيز الصحة النفسية الجيدة ضمن أهدافها الاستراتيجية.

العبء الذي تتحمله القيادات

لا يتركز هذا العبء في أي مكان كما يتركز في قمة الهرم الإداري، فالمؤسسون والرؤساء التنفيذيون يتحملون مخاوف موظفيهم ومستثمريهم وعائلاتهم، في الوقت الذي يُتوقع منهم فيه إظهار رباطة جأش لا تتزعزع. وتأتي هذه التوقعات بتكلفة كبيرة، لا سيما عندما تؤثر حالة عدم اليقين المزمنة بالفعل على النوم والتركيز والقدرة على اتخاذ القرارات.

وقال الدكتور جوزيف الخوري، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي والمدير الطبي لعيادة فالينز في دبي: “تنعقد الكثير من الآمال على أنّ هذه المرحلة ستمر بمجرد تحسن الوضع الاقتصادي، ولكن الأضرار النفسية قد تكون في بعض الأحيان غير قابلة للترميم بغض النظر عن التحسن الاقتصادي. وهذه هي الرسالة التي يجب أن تصل للجميع”.

وأوضح الدكتور الخوري أنّ المقاومة والتردد في الاعتراف بالمشكلة وطلب المساعدة المتخصصة تظهر جلياً في ممارسته الإكلينيكية في دبي، وتزداد هذه المشكلة تعقيداً بسبب العزلة التي يعاني منها القادة. فالوصمة الاجتماعية ليست سوى طبقة واحدة من المشكلة؛ إذ قد يصوّر الشعور بالخجل للقائد أن معاناته تعكس ضعفاً شخصياً بدلاً من كونها استجابة متوقعة للضغط المستمر. كما أن الأنا، التي تتشكل على مدى سنوات من كون الشخص هو المسؤول دائماً عن حل المشكلات، قد تجعل طلب المساعدة أمراً غير مألوف ومحرج. وتحت كل ذلك تكمن الموروثات الثقافية والأسرية التي تقرن الهدوء والصلابة بالقيم الشخصية، وتعتبر إظهار التراجع أو التأثر نوعاً من التقصير.

من جانبها قالت رهف قبيسي، مؤسس Rays Your Mental Health: “التنفيذيون الذين أقوم بتدريبهم والفرق القيادية التي أعمل معها يتعلمون جميعاً الحقائق ذاتها: المهارة العاطفية هي مهارة قيادية بالأساس. والقادة الذين يبنون مجموعة أدوات قائمة على الوعي الذاتي، والتعاطف مع الذات ومع الآخرين، والتقبل المرن للمتغيرات، يقودون بوضوح أكبر، ويتواصلون بدقة أفضل، ويبنون فرقاً تشعر بالأمان بالقدر الكافي لتحقيق النمو. وتنجح برامج جودة الحياة المؤسسية عندما تتعامل معها القيادة كجزء من نموها الشخصي وتكون نموذجاً يُحتذى به علناً”.

وتتجاوز تداعيات هذه المسألة الفرد نفسه، فقد يتخذ القائد الذي يعمل في ظل استنزاف عاطفي وذهني قرارات أكثر تقلباً، ويتواصل بوضوح أقل، وقد ينقل الضغوط بصورة غير مقصودة إلى مختلف أنحاء المؤسسة. وتقدر منظمة الصحة العالمية أن الاكتئاب والقلق يكلفان الاقتصاد العالمي نحو تريليون دولار أمريكي سنوياً، ويرجع ذلك في الغالب إلى انخفاض الإنتاجية.

من التحمل إلى الاستراتيجية

لا تعني المرونة الحقيقية مجرد التحمل، بل تتمثل في القدرة على التعامل مع الضغوط واستيعابها، والتعافي منها، والحفاظ على إمكانية اتخاذ القرارات، وهي مهارة يتم بناؤها بوعي وتدرج. وبالنسبة إلى مجتمع الأعمال في دولة الإمارات، يتمثل ذلك في جعل الصحة النفسية للقيادات جزءاً من البنية الأساسية التي تقوم عليها طريقة عمل الشركات.

• ترسيخ ثقافة طلب المساعدة بدءاً من القيادة وصولاً إلى جميع المستويات: عندما يقر الرئيس التنفيذي بمسؤوليته تجاه الحصول على التدريب أو العلاج النفسي أو تخصيص وقت منظم للتعافي، فإنه يمنح المؤسسة بأكملها مساحة لطلب الدعم دون الحاجة إلى الكشف عن تفاصيل إكلينيكية أو شخصية.
• بناء شبكات حقيقية من الأقران: إنشاء منصات واجتماعات سرية تتيح للمؤسسين والتنفيذيين التعبير عن الضغوط التي تواجههم دون مخاوف تتعلق بسمعتهم، مع الاستعانة، عند الحاجة، بمدربين مؤهلين يتمتعون بخبرة مثبتة.

• دمج الضمانات النفسية في منظومة الحوكمة: تراقب مجالس الإدارات المخاطر المالية والتشغيلية بصورة منتظمة؛ وينبغي أن تشكل المتابعات الدورية المتعلقة بالصحة النفسية، ومراجعة أعباء العمل بصورة واقعية، والتخطيط لتعاقب القيادات جزءاً من النهج نفسه.

• الاستثمار في الدعم النفسي والإكلينيكي المبكر والمتاح: يُعد توفير إمكانية الوصول بسرية إلى متخصصين مؤهلين في الصحة النفسية قبل الوصول إلى مرحلة الأزمة ضمانة لحماية الفرد واستمرارية الأعمال على حد سواء.

• إعادة تعريف الرفاه باعتباره مؤشراً للأداء: ينبغي متابعة مؤشرات صحيحة وموثوقة ومجمّعة إلى جانب الإيرادات ومعدلات الاحتفاظ بالموظفين، مع حماية خصوصية الأفراد وتجنب إطلاق تشخيصات غير مدعومة.

 

في أوقات الاضطراب، قد تكون صحة الشخص الذي يتولى دفة القيادة هي البند الأقل تقديراً في الميزانية العمومية، كما أنها أيضاً الاستثمار الذي يتجنبه أو يؤجله كثير من القادة، سواء لأنفسهم أو لموظفيهم.

أخبار ذات صلة

قوة إقليمية وتأثير عالمي: «أديبك 2026» ملتقى قطاع الطاقة في أبوظبي

“مستقبل الصحة – مبادرة عالمية من أبوظبي” تطلق تحدي الابتكار الرقمي لمستقبل الصحة 2026

جامعة مانشستر – دبي وفزعة توقعان شراكة استراتيجية لتعزيز فرص تنمية الكفاءات وصقل المهارات القيادية

تطبيق «سيتي مووف» التابع لمركز أبوظبي للصحة العامة و«أكتف أبوظبي» يضيفان 2.31 مليون خطوة إلى نشاط سكان إمارة أبوظبي خلال الصيف

إن إتش كوليكشن دبي ابن بطوطة» يفتتح بحلّة جديدة بعد تطوير شامل

فعالية HR Tech تُقام في أبوظبي لأول مرة في المنطقة بالتعاون مع دائرة التمكين الحكومي

الإمارات مركز عالمي للشراكات الدولية في صناعة المستقبل

مؤسسة «آرت دي إيجبت»: دعم القضية الفلسطينية ثابت وراسخ.. ونرفض حملات التشويه والمعلومات المغلوطة

آخر الأخبار
سعر البنزين والسولار بمحطات الوقود بعد قرار لجنة التسعير بتثبيت الأسعار تحديث لحظة لأسعار الذهب اليوم الخميس 15-10-2026.. عيار 21 يصل لهذا السعر أورنچ مصر تجدد شراكتها مع مهرجان الجونة السينمائي للعام التاسع وزيرا الزراعة والتموين ورئيس "زراعة النواب" يبحثون تحديد أسعار عادلة لتوريد القمح والمحاصيل الاسترات... بيك الباتروس تحصل على تمويل بقيمة 250 مليون دولار أمريكي من مؤسسة التمويل الدولية والتجاري وفا بنك من ريميني الإيطالية إلى العالم.... مصرللطيران تفتح آفاقًا جديدة للسياحة والشراكات الاستراتيجية لجنة التسعير التلقائي تقرر تثبيت أسعار المنتجات البترولية دون تغيير رئيس الرقابة المالية يلتقي النواب ومجتمع الأعمال بالإسكندرية لتعزيز الوعي بالتنمية والتمويل «ريبورتاج العقارية العالمية».. 116 مشروع في 25 دولة وطموح يعزز الحضور العالمي بهاء سعد يكشف عن استراتيجيته في قيادة شركة Grosign Development عقب توليه منصب الرئيس التنفيذي الصحة: فحص 24.6 مليون مواطن ضمن مبادرة الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة والاعتلال الكلوي البورصة المصرية تدرس إطلاق شهادات إيداع لأسهم «دانجوتي» لتعزيز الاستثمار الإفريقي رئيس الوزراء يستعرض محاور جلسة "مسيرة الطاقة المصرية: إنجازات وطنية وآفاق المستقبل" وزير العمل: 2.608 مليار جنيه إعانات طوارئ للعمال في 3999 منشأة منذ بدء نشاط "الصندوق جي إف إتش يعلن الإغلاق الناجح لصندوق "فرص أنظمة الطاقة الكهربائية" بقيمة 63 مليون دولار أمريكي رجال أعمال بقمة صوت مصر: مراكز البيانات والمشروعات العملاقة والذكاء الاصطناعي تفتح آفاقًا جديدة للاس... اكتشف بودروم كواحد من سكانها رئيس هيئة الدواء يبحث مع ممثلي شركة «نابكو» سبل تعزيز التعاون ودعم الاستثمار في القطاع الدوائي التخطيط تتبنى أدوات تمويل مبتكرة لدعم التنمية وتخفيف أعباء الموازنة وزير المالية.. دفع النشاط الاقتصادي بمبادرات لمساندة النمو والتنمية.. مع الحفاظ على الانضباط المالي