تذكّرنا أسواق الغاز الطبيعي بين الحين والآخر أنه على الرغم من سنوات من توسع الأسواق مالياً ونمو التجارة العالمية، إلا أنه لا يزال الطقس عاملاً حاسماً.، وأحياناً يكون له التأثير الأكبر. خلال الأسبوع الماضي، أدّت درجات حرارة أدنى بكثير من المعدلات الطبيعية عبر مساحات واسعة من نصف الكرة الشمالي إلى هذا التذكير بوضوح. فمن الغرب الأوسط والشمال الشرقي للولايات المتحدة إلى شمال وغرب أوروبا، قفز الطلب على التدفئة في وقت تتسم فيه الإمدادات بمرونة محدودة. وكانت النتيجة إعادة تسعير سريعة لمخاطر الشتاء، قادها الغاز الطبيعي الأميركي، ثم امتد صداها بشكل متزايد إلى المؤشرات المرجعية العالمية.
الولايات المتحدة: طفرة الطلب تلتقي بهشاشة الإمدادات
لا يمكن تفسير التحركات في الولايات المتحدة الراهنة بالطلب وحده. إذ لا تزال المناطق الوسطى والشرقية واقعة تحت وطأة موجة برد قارس، ما رفع بقوة الطلب السكني والتجاري على التدفئة. ومع امتداد درجات الحرارة المتجمدة جنوباً، يواجه المنتجون مخاطر متزايدة لانقطاع الامدادات ما يُعرف بـ”تجمّد الإنتاج” وتحدث هذه الظاهرة عندما تتجمد المياه داخل خطوط الأنابيب ومنشآت المعالجة، ما يؤدي إلى تعطّل مؤقت لتدفقات الغاز وتراجع الإنتاج. وغالباً ما تظهر هذه الأحداث في ذروة الطلب، فتُضخّم تحركات الأسعار. وبذلك يُجبر السوق على تسعير ليس فقط زيادة الاستهلاك، بل أيضاً احتمال تراجع الإمدادات في أسوأ توقيت ممكن.
يساعد هذا المزيج في تفسير حجم الحركة الأخيرة. فقد قفز عقد الشهر الأمامي في مركز هنري هَب بنحو 70% خلال أسبوع واحد، ليرتفع إلى أعلى مستوى له منذ عام 2022. ورغم ندرة مثل هذه التحركات، فإنها ليست غير مسبوقة عندما يشتد جانبا العرض والطلب في آن واحد. ووفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، تقف مخزونات الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة قرب متوسط الخمس سنوات، ما يوحي نظرياً بكفاية الإمدادات. غير أن ذلك لا يوفر الكثير من الطمأنينة على المدى القصير، حيث يمكن لاختناقات البنية التحتية ومخاطر التجمّد أن تقيد القدرة على التسليم في وقت يتسارع فيه الطلب.
أوروبا: المنافسة على الغاز الطبيعي المسال تعولم موجة الصعود
تواجه أوروبا دافع الطلب ذاته المرتبط بالطقس البارد، لكن آلية انتقال الأثر تختلف. فبعكس الولايات المتحدة، حيث يهيمن الإنتاج المحلي، تعتمد أوروبا بشكل متزايد على الغاز الطبيعي المسال بوصفه المصدر الهامشي للإمدادات. وعندما تنخفض درجات الحرارة ويرتفع الطلب، يتعيّن على المشترين الأوروبيين المنافسة في السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال، ولا سيما مع آسيا.
وقد اشتدت هذه المنافسة في الأسابيع الأخيرة. ومع ثبات الطلب على التدفئة وتسارع سحب الغاز من المخزونات، اضطر المشترون الأوروبيون إلى دفع أسعار أعلى لتأمين الإمدادات. وقد قفزت أسعار الغاز المرجعية في مؤشر تي تي إف الأوروبي إلى 41.9 يورو لكل ميغاواط/ساعة (14.25 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية)، مسجلة ارتفاعاً بنحو 40% خلال أسبوعين فقط، قبل أن تتراجع إلى ما دون 40 يورو. ومع ذلك، يبرز هذا التحرك مدى سرعة انتقال الضغوط الإقليمية عبر الروابط العالمية للغاز الطبيعي المسال. ويجدر التنويه أيضاً إلى أنه، رغم الارتفاع الأخير، لا تزال أسعار الغاز الأوروبية أدنى بنحو 22% مقارنة بمستوياتها قبل عام.
تؤكد هذه الديناميكية تحولاً هيكلياً في أسواق الغاز. فبينما تبقى مؤشرات مثل هنري هَب وتي تي إف محددة إقليمياً، بات السعر الهامشي يُحدَّد بشكل متزايد على مستوى عالمي. وعندما يؤثر الطقس البارد في مناطق استهلاك متعددة في الوقت نفسه، يصبح الغاز الطبيعي المسال آلية الموازنة، وتتكيف الأسعار إلى أن تُعاد توجيه الشحنات إلى حيث تكون الحاجة أشد إلحاحاً. ويظهر الأثر بوضوح خاص في أوروبا، حيث تراجعت مستويات التخزين تحت الأرض إلى نحو 48%، مقارنة بنحو 60% في الفترة نفسها من العام الماضي.
أسعار المشتقات النفطية تؤكد اتجاهاً أوسع لأزمة الطاقة الشتوية
تعزز قوة الغاز الطبيعي تحركات موازية في أسواق نواتج التقطير. فقد ارتفعت أيضاً أسعار الديزل ووقود التدفئة، انعكاساً لقوة الطلب الموسمي، والقيود اللوجستية المرتبطة بالشتاء، وزيادة الاعتماد على مولدات الديزل كطاقة احتياطية خلال فترات الضغط على الشبكات والبرد القارس. وعندما يعاد تسعير الغاز والمشتقات النفطية في الاتجاه نفسه، يتعزز الاعتقاد بأن ما يجري هو قصة طاقة شتوية واسعة النطاق، لا مجرد اختناق معزول في سوق الغاز.
تداعيات على العملات: الكرونة النرويجية تتصدر قائمة الرابحين على المدى القصير
كان أحد أبرز التأثيرات العابرة لفئات الأصول هو تأثيرها على سوق الصرف الأجنبي. فالنرويج، بوصفها مُصدّراً رئيسياً للغاز عبر الأنابيب إلى أوروبا، تستفيد من ارتفاع أسعار الغاز الأوروبية عبر تحسن إيرادات الصادرات وشروط التبادل التجاري. وقد ارتفعت الكرونة النرويجية إلى أعلى مستوى لها في ثلاثة أشهر مقابل اليورو، في انعكاس مباشر لهذه الديناميكية.
ومن الناحية الفنية، قرّبت هذه الحركة زوج اليورو/الكرونة النرويجية من مستويات قد تشير إلى انخفاض محتمل، ما يوحي بأن الأسواق بدأت تُسعّر دعماً نسبياً للعملة النرويجية. ورغم أن ذلك لا يشكّل بعد تحولاً هيكلياً، فإنه يسلّط الضوء على سرعة انتقال صدمات أسعار الطاقة إلى أسواق العملات.
أسواق الأسهم: منتجو الغاز في صدارة المستفيدين
تعكس أداء الأسهم خلال الأسبوع الماضي تطورات أسواق السلع. حيث كانت شركات إنتاج الغاز وشركات الطاقة ذات التعرض للغاز من بين الأقوى أداءً. وسجل عدد من منتجي الغاز الأميركيين وأسماء مرتبطة بالغاز الطبيعي المسال مكاسب قوية، متفوقين على قطاع الطاقة الأوسع.
كما استفادت الصناديق المتداولة في البورصة ذات التركيز على الطاقة، ولا سيما تلك التي توفر تعرضاً لعمليات الاستكشاف والإنتاج، مقدّمة وصولاً متنوعاً إلى هذا الاتجاه. غير أن تباين الأداء داخل القطاع يذكّر بأن التقلبات قد تنعكس سريعاً مع انحسار مخاطر الطقس أو عودة الإمدادات إلى طبيعتها.
ما الذي يجب مراقبته لاحقاً
تعتمد استدامة الحركة الحالية إلى حد كبير على مدة موجة البرد وحجم الأضرار المحتملة التي قد تلحق بالبنية التحتية. فاستمرار درجات الحرارة دون المعدلات الطبيعية حتى فبراير سيُبقي علاوة مخاطر الشتاء مرتفعة، في حين أن العودة إلى المستويات الموسمية المرجّح أن تدفع الأسعار إلى التراجع بسرعة نسبياً مع تطلع السوق إلى الربيع. ويُلاحظ أن عقد الغاز الطبيعي لشهر أبريل وهو أول أشهر موسم الحقن، يتداول حالياً قرب 1.9 دولار، أي بنحو 35% دون عقد فبراير.
تقدم تحركات الأسعار الأخيرة مثالاً واضحاً على مدى ترابط أسواق الغاز الطبيعي عالمياً. فالتجمّد العميق في الولايات المتحدة يمكن أن يدفع هنري هَب إلى ارتفاعات حادة، بينما يؤدي الطقس البارد في أوروبا وأجزاء من آسيا إلى اشتداد المنافسة على الغاز الطبيعي المسال وتضييق الإمدادات العالمية. وتستجيب أسواق الأسهم بمكافأة منتجي الغاز، فيما تكتسب عملات مثل الكرونة النرويجية طلباً نسبياً.
خلاصة القول، لم يعد الغاز الطبيعي قصة إقليمية بحتة. إنه سوق عالمي تربطه الأحوال الجوية، وتدفقات الغاز الطبيعي المسال، ومحدودية الطاقة الفائضة. وعندما يرتفع الطلب بشكل غير متوقع في ظل ندرة المرونة، نادراً ما تتكيف الأسعار بسلاسة؛ بل يُعاد تسعيرها بصورة حادة، تاركة هامش خطأ ضيقاً أمام صناع السياسات، والمرافق، والمستثمرين على حد سواء.
تقرير مقدم من أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك







