الرئيس التنفيذي
أشرف الحادي

رئيس التحرير
فاطمة مهران

الفضة: عندما يتحول صعود قياسي إلى انهيار قياسي

جاء الانهيار التاريخي الذي شهدته الفضة يوم الجمعة نتيجة تلاقي عدة تطورات في الوقت نفسه. ورغم أن التصحيح كان متوقعاً بشكل متزايد، بل وربما مستحقاً منذ فترة، جاءت سرعة وعمق موجة البيع لتشكل جرس إنذار حاداً. ومرة أخرى، أكدت هذه الحركة كيف يمكن للتمركز أحادي الاتجاه أن يتسبب بأضرار غير متناسبة عندما يبدأ في التفكك.

وكالعادة، امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي سريعاً بنظريات مؤامرة تزعم أن الحركة جرى تدبيرها لإنقاذ مراكز بيع مكشوفة غارقة في الخسائر. ومن الأفضل تجاهل هذه الروايات. فالتفسير الأبسط هو أن صعود الفضة على مدى عدة أسابيع، على الرغم من دعمه بطلب قوي من الصين، أصبح مدفوعاً بشكل متزايد بالخوف من فوات الفرصة وبالاندفاعات المضاربية المفرطة. وعندما تتحول الذهب والفضة إلى مواضيع ساخنة على موائد العشاء وفي أماكن العمل، يكون ذلك غالباً مؤشراً على أن مرحلة معينة من الصعود تقترب من نهايتها.

كما أن سرعة الصعود السابق بحد ذاتها كانت تستدعي الحذر. فقد استغرق الأمر 42 يوماً لارتفاع الفضة من 50 دولار إلى 60 دولار، ثم 22 يوماً فقط للانتقال من 60 إلى 80 دولار، ولم يتجاوز 12 يوماً للصعود من 80 إلى 110 دولارات. هذا الارتفاع المكافئ والمنفلت على نحو متزايد كان من شبه الحتمي أن يهيئ الأرضية لتصحيحات حادة ومؤلمة، إذ تصبح مخارج الخروج ضيقة للغاية ولا تستطيع استيعاب موجة مفاجئة من عمليات البيع القسري.

وقد أدت أحجام التداول القياسية عبر العقود الآجلة والخيارات والصناديق المتداولة في البورصة (ETFs)، إلى جانب تزايد الضغوط على البنية التحتية للسوق، إلى تضخيم الحركة. وفي نهاية المطاف، انهار النظام تحت وطأة هذه الضغوط.

تقلبات تغذي نفسها

حذرتُ صباح الخميس من أن الاندفاعة المستمرة عبر المعادن، ولا سيما الفضة، دخلت مرحلة خطرة. وكانت المشكلة الجوهرية تتمثل في تقلبات تغذي نفسها بنفسها. فمع اتساع نطاق التذبذبات السعرية اليومية، تراجعت السيولة. وواجهت البنوك وصنّاع السوق صعوبة في استيعاب المخاطر، لا سيما مع اضطراب شريان حياتهم، أي الفارق السعري بين السوق الفورية والعقود الآجلة (الأساس)، بشكل متزايد. ومع تراجع استعدادهم لتسعير كميات كبيرة، ازدادت السيولة تدهوراً وانفجرت التقلبات.

وجاءت الضربة الافتتاحية خلال جلسة آسيا يوم الجمعة، عقب جلسة أوروبية وأمريكية مضطربة يوم الخميس. وكانت عقود الفضة الآجلة قد سجلت في وقت سابق مستوى قياسياً عند 121.78 دولار، قبل أن تهبط بنحو 15 دولار عند الإغلاق إلى 114.42 دولار. ومع افتتاح الأسواق الصينية، تسارعت وتيرة البيع، على الأرجح بتأثير متطلبات الهامش الأكثر تشدداً، لينهي عقد الفضة الآجل في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة (إس إتش إف إي) الجلسة متراجعاً بنسبة 17%.

كيف ساهمت الخيارات والصناديق ذات الرافعة في تسريع الانهيار؟

خلال يوم الاثنين، شهد صندوق آي شيرز للفضة وهو أكبر صندوق يتيح الاستثمار في عقود الفضة الآجلة، ارتفاعاً غير مسبوق في تداولات الخيارات. جزء كبير من هذه التداولات كان عبارة عن شراء خيارات شراء دون تحوط، أي مراهنات مباشرة على استمرار صعود السعر.

عندما يشتري المستثمرون خيارات الشراء، يضطر الطرف المقابل (عادة صناع السوق) إلى التحوط من المخاطر عبر شراء عقود فضة آجلة. ومع استمرار ارتفاع الأسعار، ازدادت حاجتهم لهذا التحوط، ما دفعهم لشراء المزيد من العقود، وساهم بدوره في دفع الأسعار إلى الأعلى أكثر.

لكن عندما بدأ سعر الفضة بالانخفاض، انعكس المشهد بالكامل. فبدلاً من الشراء، اضطر صناع السوق إلى البيع السريع لفك التحوط، ما زاد الضغط البيعي، وأدخل السوق في حلقة تلقائية من التراجع، حيث كان الهدف تقليص المخاطر بأي سعر متاح.

دور الصناديق ذات الرافعة المالية

لم يتوقف الضغط عند هذا الحد. فقد تعرضت السوق لاحقاً لموجة بيع إضافية بسبب إعادة موازنة صندوق بروشيرز ألترا سيلفر، الذي يوفر تعرضاً مضاعفاً (مرتين) لتحركات أسعار الفضة.

وخلال شهر يناير، أدى الطلب القوي إلى تضخم حجم الصندوق إلى مستوى قياسي بلغ 5.3 مليارات دولار، ما يعني تعرضاً فعلياً يعادل أكثر من 10.6 مليارات دولار في عقود الفضة الآجلة. وبما أن هذا النوع من الصناديق يعيد موازنته يومياً، فقد اضطر القائمون عليه إلى خفض مراكزه بشكل حاد بعد هبوط الأسعار يوم الجمعة.

ومع تراجع الصندوق بنحو 20%، كان لا بد من تقليص التعرض بسرعة، وهو ما أدى إلى بيع يقدَّر بنحو 4 مليارات دولار من عقود الفضة الآجلة خلال فترة إعادة الموازنة وحدها، مع احتمالية الحاجة إلى مزيد من البيع إذا استمرت التقلبات..

إلى أين نتجه من هنا؟

ثمة عدة عوامل إضافية لم يتم تناولها أعلاه، من بينها ترشيح كيفن وورش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفدرالي. وقد أشارت منصة بوليماركت إلى القرار لأول مرة في وقت متأخر من مساء الخميس، قبل أن يعلنه رسمياً الرئيس دونالد ترامب في الساعات الأولى من يوم الجمعة. ويُنظر إلى وورش على نطاق واسع باعتباره متشدداً في السياسة النقدية، وهو تصور ساهم في تعزيز قوة الدولار مجدداً، وأضاف إلى حالة العزوف عن المخاطر التي سادت أسواق الأسهم، ولا سيما مجمع السلع.

وعلى الرغم من أن معظم عمليات خفض الرافعة القسرية يُرجَّح أنها قد انتهت، شهد كل من الذهب والفضة مزيداً من الضعف في تداولات صباح الاثنين المبكرة. إذ لامست الفضة لفترة وجيزة مستوى 71.38 دولار، مسجلةً هبوطاً بنسبة 41% من ذروة يوم الخميس، بينما تراجع الذهب إلى نحو 4,402 دولارات، بانخفاض نسبته 21%، قبل أن يحاول المعدنان على استحياء تحقيق بعض الاستقرار. لقد كان تصحيحاً قاسياً لم ينجُ منه إلا القليل من المشاركين، وما إذا كانت السوق تحتاج إلى انتكاسة أعمق لإعادة ضبط التمركز بشكل كامل، فلا يزال أمراً مفتوحاً.

إن المبرر الاستراتيجي للاحتفاظ بالمعادن النفيسة كأدوات لتنويع المحافظ لم يتلاشَ فجأة، غير أن التمركز أحادي الاتجاه غالباً ما ينتهي بالطريقة نفسها: تصحيحات كبيرة ولا مفر منها. وضمن هذا المجمع، ما زلت أفضل الذهب، الذي على الرغم من التراجع، لا يزال مرتفعاً بنحو 4% منذ بداية العام، وبنحو 58% على مدى الاثني عشر شهراً الماضية، ما يبرز عمقه النسبي وقدرته الأكبر على الصمود خلال فترات الضغوط.

وفي الأيام المقبلة، سيتحول الاهتمام إلى الصين، بوصفها محركاً رئيسياً للطلب في الأشهر الأخيرة، وسوقاً جرى فيها تداول الأسعار المحلية بعلاوة مقارنة بلندن. وقد افتتح سوق عقود الفضة الآجلة في شنغهاي الجلسة الأخيرة عند الحد الأدنى اليومي، ولن يُستأنف التداول إلا عندما تُعد حركة الأسعار كافية لجذب طلب جديد. وإذا ظل الشراء الفعلي متماسكاً، فمن شأنه أن يوفر في نهاية المطاف مرساة للأسعار في الأسواق الغربية.

ومع ذلك، ومع اقتراب رأس السنة الصينية، وتشديد البورصات بالفعل لشروط التداول، قد تظل شهية المخاطرة على المدى القريب مقيدة. وفي ظل هذه الخلفية، يبدو التحلي بالصبر أمراً مبرراً، كما أن ملاحقة السوق قبل اتضاح صورة أكثر وضوحاً ليست على الأرجح الاستراتيجية الأكثر حكمة.

أخبار ذات صلة

Workday تتصدر تصنيف تقرير Gartner Magic Quadrant لعام 2026 في مجال حلول تخطيط موارد المؤسسات المالية السحابية

84% من النساء في الإمارات والسعودية ومصر يتطلعن إلى المزيد من الوقت الخاص دون مقاطعات

دراسة لـ “ساكسو بنك” حول مستقبل الثروات الرقمية تكشف: البنوك تتجه بشكل متزايد نحو الشركاء الخارجيين في ظل ضغوط الذكاء الاصطناعي

نقاط الضغط: البيانات الأمريكية تقدم صورة متباينة، ومحضر اجتماع الفيدرالي يحمل إشارات مهمة للسياسة النقدية

تراجع تغيير الرؤساء التنفيذيين عالميًا إلى أدنى مستوياته في 9 سنوات.. مجالس الإدارة تفضّل الاستقرار والقيادات ذات الخبرة

ارتفاع ثقة المستثمرين في الإمارات مع تراجع المخاوف الجيوسياسية، وفقاً لاستطلاع etoro

كيف تسهم الفوترة الإلكترونية في إعادة تشكيل بنية الاقتصاد الخليجي

15% فقط من الشركات تمتلك القدرة على قياس أثر المخاطر المناخية من الناحية المالية

آخر الأخبار
هواوي تفتتح متجرًا جديدًا في داندي مول وتطرح عروضًا حصرية على أجهزتها بنك القاهرة يعزز دعم الحرف التراثية برعاية «معرض تراثنا 2026» للعام السادس وزارة البترول تطلق آلية جديدة لاختيار القيادات وتأهيل الكفاءات خزنة تستحوذ على فاروس للتمويل الاستهلاكي وتحصل على ترخيص الرقابة المالية كاسبرسكي: مجموعة Lazarus تستخدم الذكاء الاصطناعي والتشفير الكمومي في هجمات جديدة رئيس هيئة الاعتماد والرقابة الصحية: الاستثمار في الجودة وسلامة المرضى ضرورة اقتصادية لاستدامة النظام... جولد بيليون: تراجع أسعار الذهب في مصر مع هبوط الأوقية لأدنى مستوى منذ أغسطس جمجوم فارما تتولى التسويق الحصري لدواء أوستيكينوماب في الإمارات HONOR تطلق X9e Pro في مصر ببطارية 11 ألف مللي أمبير وكاميرا 108 ميجابكسل وزير الصحة يبحث مع ممثلي “سانوفي” تعزيز التعاون والتوسع في الفرص الاستثمارية بقطاع الدواء الرئيس السيسي يشارك في جلسة حوارية بعنوان "الخطاب الديني وتأثيره على القيم في المجتمع" وزير الكهرباء يكشف سيناريوهات مواجهة أزمة الطاقة وخطط التوسع في الطاقة المتجددة والربط الكهربائي الإ... رئيس جهاز حماية المستهلك: تطور أساليب الغش التجاري والتحايل على الضوابط المنظمة للأسواق يفرض تعزيزال... وزير التموين يلتقي بعدد من السادة أعضاء مجلسي النواب والشيوخ «XPENG» في مصر.. هل تبرر التكنولوجيا أسعار السيارات وتكاليف ما بعد البيع؟ اجتماع موسع لمجلسي إدارة «البورصة المصرية» و«مصر للمقاصة» لدعم التكامل وتطوير سوق رأس المال جامعة سانت جورج تدعو إلى تعزيز عدالة الوصول إلى الفحوصات في الشرق الأوسط وفقاً لعوامل الخطورة الفردي... أحمد أموي: تيسيرات جمركية لتسهيل حركة التجارة وخفض زمن وتكلفة الإفراج ودعم تنافسية الصادرات ما حقوقك لدى شركات الاتصالات؟ تحرك جديد لنشر الوعي في المحافظات فيفو V80 يعيد تعريف التصوير بالهواتف الذكية في الشرق الأوسط