أكد الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن قرار مصر اللجوء إلى صندوق النقد الدولي في عام 2016 جاء في إطار التعامل مع ظروف اقتصادية ومالية صعبة، فرضت تحديات كبيرة على الاقتصاد المصري، في ظل تراجع بعض مصادر النقد الأجنبي، وانخفاض الاستثمارات، وتأثر قطاعات حيوية، في مقدمتها السياحة.
وشدد السيد على أن تقييم تجربة مصر مع صندوق النقد الدولي يجب أن يتم في ضوء الظروف الاقتصادية التي صاحبت كل مرحلة، مع الاستفادة من الدروس المستخلصة لتطوير إدارة البرامج الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة، بما يحقق التوازن بين متطلبات الاستقرار المالي، واحتياجات المواطنين، وأولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وأوضح، خلال استضافته في برنامج «هنا القاهرة» على قناة «مودرن»، أن الاقتصاد المصري واجه، عقب أحداث عامي 2011 و2013، تحديات اقتصادية وتمويلية كبيرة، تمثلت في تراجع الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتأثر إيرادات السياحة، وزيادة الضغوط على الموارد المالية والنقد الأجنبي، وهو ما جعل توفير التمويل اللازم لاستعادة الاستقرار الاقتصادي أحد أبرز التحديات أمام الدولة.
2016.. اللجوء إلى صندوق النقد كان استجابة لظروف اقتصادية استثنائية
وأشار مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية إلى أن مصر سعت خلال عامي 2012 و2013 إلى الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 4.8 مليار دولار، خلال فترة حكومة الدكتور هشام قنديل، إلا أن تلك المحاولة لم تكتمل في ظل الظروف الاقتصادية والمالية التي كانت تمر بها البلاد آنذاك.
وأضاف أن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي في عام 2016 جاء في إطار جهود الدولة لاستعادة الاستقرار الاقتصادي، وتوفير التمويل اللازم، وتعزيز الثقة في الاقتصاد المصري، في وقت كانت فيه البدائل التمويلية محدودة والتحديات الاقتصادية متزايدة.
وأكد أن الاستفادة من هذه التجربة تقتضي النظر إلى برامج التعاون مع المؤسسات المالية الدولية باعتبارها أدوات يمكن توظيفها لدعم الاقتصاد، مع أهمية أن تتوافق آليات تنفيذها مع طبيعة الاقتصاد المصري وأولوياته التنموية، وأن تتيح مساحة مناسبة للتعامل مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية.
أهمية تطوير إدارة البرامج الاقتصادية وتحقيق التوازن بين الأولويات
وأوضح السيد أن التجربة المصرية مع صندوق النقد الدولي تبرز أهمية تعزيز القدرة التفاوضية، وتطوير آليات إدارة البرامج الاقتصادية، بما يحقق التوازن بين متطلبات التمويل والإصلاح المالي من جهة، واحتياجات الاقتصاد الوطني وأولويات التنمية والحماية الاجتماعية من جهة أخرى.
وأضاف أن إدارة العلاقة مع المؤسسات المالية الدولية تتطلب رؤية اقتصادية متكاملة، تستند إلى تحديد واضح للأولويات الوطنية، وتقييم دقيق لتأثير الإجراءات الاقتصادية على المواطنين والقطاعات الإنتاجية، مع الاستفادة من الخبرات الدولية بما يتناسب مع طبيعة الاقتصاد المصري.
وأكد أن نجاح أي برنامج اقتصادي لا يرتبط فقط بتوفير التمويل أو تحقيق المستهدفات المالية، وإنما بقدرته على تحفيز الاستثمار والإنتاج، وخلق فرص العمل، وتحسين مستويات المعيشة، وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.
وأشار إلى أن التجارب الاقتصادية السابقة، بما فيها تجربة مصر خلال تسعينيات القرن الماضي، تقدم دروسًا مهمة بشأن أهمية تصميم البرامج الاقتصادية وفقًا للظروف المحلية، وتحقيق التوازن بين الاستقرار المالي ومتطلبات النمو، مع الاحتفاظ بالمرونة اللازمة للتعامل مع المتغيرات الاقتصادية.
الاقتصاد المصري يمتلك مقومات للانتقال إلى مرحلة جديدة
وفي تقييمه للمرحلة المقبلة، أوضح السيد أن الاقتصاد المصري يمتلك حاليًا مجموعة من المقومات التي يمكن البناء عليها لتعزيز قدرته على النمو، مشيرًا إلى ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى نحو 57.3 مليار دولار، وتحسن تحويلات المصريين العاملين بالخارج التي تجاوزت 47 مليار دولار، إلى جانب تعافي القطاع السياحي وارتفاع إيراداته إلى أكثر من 21 مليار دولار، وفقًا للأرقام التي استعرضها خلال اللقاء.
وأكد أن أهمية هذه المؤشرات لا تقتصر على تحسين قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية، بل تمتد إلى توفير قاعدة يمكن الانطلاق منها نحو مرحلة جديدة تستهدف زيادة الاستثمارات، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري.
وشدد على ضرورة استثمار التحسن في بعض المؤشرات المالية والنقدية في إعداد برنامج اقتصادي وطني واضح المعالم، يحدد أولويات المرحلة المقبلة، ويركز على القطاعات القادرة على زيادة القيمة المضافة، وتوفير فرص العمل، وزيادة الصادرات، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتعزيز موارد النقد الأجنبي بصورة مستدامة.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال تدريجيًا من التركيز على إدارة الضغوط التمويلية إلى تسريع وتيرة النمو الاقتصادي، من خلال تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، وتوطين التكنولوجيا، ودعم الصناعة، وتعظيم الاستفادة من الإمكانات المتاحة في القطاعات الإنتاجية والخدمية.
لماذا تحتاج مصر إلى إعادة تقييم مستقبل التعاون مع صندوق النقد؟
وأعرب السيد عن رؤيته بأن مصر ليست بحاجة، في المرحلة المقبلة، إلى تمديد برنامجها الحالي مع صندوق النقد الدولي، بعد استكمال مراجعته الأخيرة، مؤكدًا أهمية دراسة الاحتياجات التمويلية الفعلية للدولة، وتقييم البدائل المتاحة، وصياغة برنامج اقتصادي وطني يتناسب مع التطورات التي شهدها الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أن هذه الرؤية تستند إلى ضرورة الانتقال من مرحلة الاعتماد النسبي على برامج التمويل الخارجي إلى مرحلة أكثر اعتمادًا على قدرة الاقتصاد على توليد موارده، وزيادة الإنتاج والصادرات، وجذب الاستثمارات، وتحقيق معدلات نمو مستدامة.
وأضاف أنه كان يفضل إعطاء أولوية أكبر، في إطار التفاوض على ترتيبات التمويل الأخيرة، لدراسة البدائل التي تسمح بإعادة ترتيب الالتزامات القائمة، وإطالة آجال سداد بعض الأقساط متى أمكن الاتفاق على ذلك، بما يساعد على تخفيف الضغوط على الموارد المالية والنقد الأجنبي، ويمنح الاقتصاد مساحة أكبر لتوجيه موارده إلى الاستثمار والتنمية.
وأشار إلى أن مصر سددت، وفقًا للتقديرات التي عرضها خلال اللقاء، أكثر من 16 مليار دولار لصندوق النقد الدولي، مع استمرار وجود التزامات مالية قائمة تُقدَّر بنحو 9 مليارات دولار، وهو ما يعزز أهمية الإدارة المتوازنة لهذه الالتزامات، بالتوازي مع العمل على زيادة الموارد الدولارية وتحسين قدرة الاقتصاد على الوفاء باحتياجاته التمويلية.
وأكد أن استمرار التعاون مع المؤسسات الدولية يمكن أن يتخذ أشكالًا متعددة، وفقًا لاحتياجات الدولة وأولوياتها، وأن تحديد المسار الأنسب يتطلب دراسة دقيقة للتكلفة والعائد، ومدى مساهمة أي ترتيبات تمويلية في تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية.
برنامج اقتصادي وطني تقوده الصناعة والاستثمارات والصادرات
واختتم الدكتور عبد المنعم السيد رؤيته بالتأكيد على أن الاقتصاد المصري يمتلك فرصًا وإمكانات تسمح له بالانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا، شريطة توجيه الجهود نحو تعزيز الإنتاج والاستثمار، وتطوير القاعدة الصناعية، وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق المحلية والخارجية.
وأوضح أن التحدي الاقتصادي في المرحلة المقبلة لا يقتصر على توفير التمويل أو إدارة الالتزامات المالية، بل يتمثل في كيفية تحويل الموارد والإمكانات المتاحة إلى مشروعات إنتاجية تحقق قيمة مضافة حقيقية، وتوفر فرص عمل مستدامة، وتزيد الصادرات، وتدعم موارد النقد الأجنبي.
وشدد على أن بناء برنامج اقتصادي وطني متكامل، يقوم على وضوح الأولويات، وتحفيز القطاع الخاص، وتحسين مناخ الاستثمار، وتوطين التكنولوجيا، وتطوير التعليم والتدريب، يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق نمو اقتصادي أكثر استدامة وقدرة على مواجهة الأزمات.
وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على اقتصاد الإنتاج والاستثمار، بما يضمن أن يصبح التمويل أداة لدعم التنمية، وليس هدفًا في حد ذاته، وأن تنعكس نتائج الإصلاحات الاقتصادية بصورة ملموسة على معدلات النمو وفرص العمل ومستويات معيشة المواطنين.







