مع اقتراب عام 2026، تواصل دولة الإمارات تقديم صورة اقتصادية كلية داعمة للنمو، مدفوعة بتحولها المستمر من اقتصاد يعتمد على النفط إلى مركز عالمي متنوع. وتُشكّل القطاعات غير النفطية اليوم حصة متزايدة من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس نجاح سياسات التنويع الاقتصادي.
وفي هذا السياق، قال فرحان بدامي، مدير تطوير الأعمال في eToro، إن مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي يتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 5.3% خلال عام 2026، مقارنة بنحو 4.9% في عام 2025، بدعم من الأداء القوي للأنشطة النفطية وغير النفطية على حد سواء.
ولا يزال التضخم عند مستويات منخفضة ومستقرة، حيث تراجع معدل التضخم العام إلى نحو 0.7% في منتصف عام 2025، فيما تشير توقعات المصرف المركزي إلى وصوله إلى حوالي 1.8% في عام 2026. ويمنح ذلك صانعي السياسات هامشًا أوسع لدعم النمو الاقتصادي. ومع ربط الدرهم الإماراتي بالدولار الأميركي، تتماشى السياسة النقدية المحلية إلى حد كبير مع توجهات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، إذ شهدت المنطقة خفضًا في أسعار الفائدة خلال النصف الثاني من عام 2025. ورغم احتمال تباطؤ وتيرة التخفيضات في بداية 2026، لا تزال الأسواق تتوقع خفضين إضافيين للفائدة، ما قد ينعكس إيجابًا على السيولة والأنشطة الاقتصادية في الدولة.
وسجّل الائتمان المصرفي نموًا قويًا خلال عام 2025، مع ارتفاع القروض بمعدلات مزدوجة على أساس سنوي، فيما تتمتع البنوك برسملة قوية ونسب منخفضة من القروض المتعثرة. كما تواصل قطاعات السياحة والطيران والخدمات اللوجستية دورها كمحركات رئيسية للنمو، لا سيما في دبي، حيث يُعدّ قطاعا النقل والتخزين من بين الأسرع نموًا. في المقابل، واصل سوق العقارات السكنية تسجيل أداء قوي، مدعومًا بزيادة عدد السكان والسياسات الحكومية الداعمة.
قطاعات رئيسية تستحق المتابعة في 2026
البنوك والخدمات المالية
تُشكّل البنوك الدعامة الأساسية لأسواق أبوظبي ودبي المالية، حيث حققت مؤسسات كبرى مثل مصرف أبوظبي الإسلامي وبنك أبوظبي التجاري نموًا ملحوظًا في الأرباح، مدفوعًا بتوسع الائتمان، وقوة الميزانيات العمومية، وهوامش فائدة ما زالت صحية. ومع التوجه التدريجي نحو خفض أسعار الفائدة في 2026، قد تتعرض الهوامش لبعض الضغوط، إلا أن ذلك يُتوقع أن يُعوَّض بزيادة أحجام الإقراض، ونمو دخل الرسوم، واستمرار تدفقات رؤوس الأموال الباحثة عن بيئات آمنة مثل الإمارات. وبالنسبة للمستثمرين، يُرجَّح أن تواصل البنوك تقديم مزيج متوازن من الدخل والنمو، وإن كانت العوائد الإجمالية قد تكون أقل من المكاسب الاستثنائية المسجلة في عام 2025.
العقارات والشركات المرتبطة بالقطاع العقاري
يظل قطاع العقارات في دبي أحد أبرز محركات اهتمام المستثمرين، حيث تستفيد شركات التطوير والأسماء المرتبطة بالقطاع مثل إعمار والدار ويونيون بروبرتيز من ارتفاع أحجام الصفقات، والنمو السكاني المتواصل، واستمرار اهتمام المستثمرين الدوليين. ومع التوقعات بتراجع تدريجي في تكاليف التمويل العقاري، من المرجح أن يبقى عام 2026 داعمًا للقطاع ككل، وإن كانت مستويات التقييم المرتفعة تتطلب تنفيذًا قويًا للحفاظ على الزخم.
الطاقة والسلع
لا تزال شركات الطاقة والقطاعات المرتبطة بها تلعب دورًا محوريًا، خصوصًا في أبوظبي. وسيعتمد أداء هذه القطاعات في عام 2026 على مسار أسعار النفط، وسياسات تحالف أوبك+، ومستويات الطلب العالمي. ورغم تراجع أسعار النفط في أواخر عام 2025 وما ترتب عليه من ضغوط على سوق أبوظبي للأوراق المالية، تشير التوقعات إلى تحسن الطلب وتقلص الفائض خلال عام 2026، في ظل نظرة بنّاءة من جانب أوبك تجاه آفاق السوق.
الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية
تواصل دولة الإمارات ترسيخ مكانتها في صميم التحول العالمي نحو الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة. وقد برزت شركات مثل «بريسايت للذكاء الاصطناعي» كأحد أبرز أسهم التكنولوجيا في سوق أبوظبي، في انعكاس مباشر للاستثمارات المتزايدة في تحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية. وتدفع الاستراتيجية الوطنية للابتكار نحو ضخ استثمارات كبيرة في مجالات الحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، والمدن الذكية، لا سيما في أبوظبي، حيث يتم توظيف حلول الذكاء الاصطناعي التوليدي في قطاعات حيوية مثل الرعاية الصحية والتمويل والإعلام. ومن المتوقع أن يستمر تدفق رؤوس الأموال إلى هذا القطاع، ما يوفر للمستثمرين فرصة نمو محلية مرتبطة باتجاهات عالمية طويلة الأمد.
الطروحات الأولية وأسواق رأس المال
يمثل زخم الطروحات العامة الأولية أحد المحاور البارزة لعام 2026، إذ استفاد سوقا أبوظبي ودبي الماليان خلال السنوات الأخيرة من تدفق منتظم للاكتتابات، شملت شركات حكومية وشبه حكومية وشركات عائلية. ومن المتوقع أن تسهم طروحات جديدة في قطاعات مثل العقارات والخدمات اللوجستية والمرافق والتكنولوجيا في تعميق الأسواق وتوسيع قاعدة الفرص الاستثمارية المتاحة.
مخاطر يجب أخذها في الاعتبار
رغم قوة المشهد الاستثماري في الإمارات، لا تزال هناك مخاطر ينبغي متابعتها، من بينها احتمال استمرار الضغوط على أسعار النفط، ما قد يؤثر على الإيرادات المالية والمعنويات العامة وأداء بعض القطاعات، حتى في ظل التقدم الملحوظ في تنويع الاقتصاد. كما ينطوي هذا التحول على تحديات تنفيذية نظرًا لحجم الاستثمارات المطلوبة، واعتماده على استدامة الابتكار.
إلى جانب ذلك، يبقى النمو العالمي عرضة للتقلبات، خصوصًا في أوروبا والصين، وقد يؤدي أي تباطؤ حاد إلى التأثير على التجارة والسياحة وأرباح الشركات. كما ارتفعت تقييمات بعض القطاعات، لا سيما العقارات والتكنولوجيا، بعد موجات صعود قوية، ما يجعل استمرار نمو الأرباح عاملًا حاسمًا خلال عام 2026.
آفاق إيجابية لعام 2026
على الرغم من هذه التحديات، تبقى النظرة العامة لدولة الإمارات في عام 2026 إيجابية. فالتوقعات تشير إلى نمو قوي، وتضخم منخفض ومستقر، وسياسات اقتصادية داعمة. كما يتمتع القطاع المصرفي بمتانة مالية عالية، وتواصل أسواق رأس المال تطورها، فيما تواصل الدولة جذب الاستثمارات الأجنبية والكفاءات العالمية.
وبالنسبة لمستثمري الأسهم، من المتوقع أن يشكل نمو الأرباح، خصوصًا في قطاعات البنوك والعقارات وبعض شركات الطاقة والتكنولوجيا، عامل دعم مهم، حتى وإن جاءت العوائد بوتيرة أهدأ مقارنة بسنوات الازدهار السابقة. كما تعزز مكانة الإمارات كوجهة آمنة ومستقرة، إلى جانب زيادة اهتمام المستثمرين الأجانب ورؤيتها طويلة الأمد للتنويع والابتكار، من جاذبية الاستثمار خلال عام 2026، لتبرز الدولة كإحدى أبرز الوجهات الاستثمارية في المنطقة.







