دخلت صناعة التأمين العالمية، وخاصة قطاع التأمين البحري وتأمين أخطار الحرب، مرحلة من الضغوط غير المسبوقة مع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وما تبعها من تداعيات أمنية واقتصادية واسعة في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز.
وجاءت بداية التصعيد عقب الضربة العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة فجر 28 فبراير 2026، لترد إيران بعدها بساعات بإطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيرة استهدفت مواقع وقواعد أمريكية ومنشآت حيوية في عدد من دول الخليج. ومع اتساع نطاق الهجمات، سارعت عدة دول في المنطقة إلى إغلاق مجالاتها الجوية، ما تسبب في اضطراب حركة الطيران المدني وتعطل آلاف الرحلات حول العالم.
وتصاعدت الأزمة بشكل أكبر بعد إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية العالمية الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية وما يقارب ربع تجارة الغاز الطبيعي المسال. وقد أدى هذا القرار إلى اضطراب كبير في حركة التجارة العالمية وارتفاع تكاليف النقل البحري.
كما أعلنت شركات شحن عالمية كبرى، من بينها شركة «ميرسك»، تعليق عملياتها في المنطقة والتحول إلى طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا، وهو ما يزيد من زمن الرحلات البحرية ويضاعف التكاليف التشغيلية. وفي تطور آخر، أعلنت «قطر للطاقة» تعليق إنتاج الغاز الطبيعي المسال مؤقتاً بعد تعرض إحدى منشآتها لهجوم بطائرة مسيرة، الأمر الذي أثار مخاوف جديدة بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية.
وفي ظل هذه التطورات، بدأت شركات التأمين البحري اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من المخاطر. فقد أعلنت شركة «سكولد» النرويجية للتأمين البحري إلغاء تغطية أخطار الحرب للسفن العاملة في الخليج العربي والمياه المجاورة اعتباراً من 5 مارس 2026، مع إرسال إشعارات إلغاء تسري خلال 72 ساعة. كما قرر الصندوق العربي لتأمين أخطار الحرب تعليق التغطية للسفن العابرة في مناطق الخليج ومضيقي هرمز وباب المندب، على أن يتم إعادة التغطية لاحقاً وفق شروط وأسعار جديدة.
ويتوقع خبراء قطاع التأمين ارتفاع أقساط التأمين على السفن العابرة في مناطق النزاع بنسبة تتراوح بين 25% و50%، في ظل تصاعد المخاطر المرتبطة بالهجمات العسكرية أو احتمالات احتجاز السفن لأسباب سياسية.
وفي هذا السياق، حذرت مؤسسة «كينيديز» الدولية المتخصصة في الخدمات القانونية لقطاعات التأمين والنقل البحري من أن هذا الصراع قد يمثل حدثاً معقداً ونادراً لسوق التأمين وإعادة التأمين العالمي، نظراً لتداخله مع عدة أنواع من التغطيات التأمينية، بما في ذلك تأمين الممتلكات والتأمين ضد العنف السياسي والتأمين البحري وتأمين الطيران والائتمان التجاري.
كما أشار الاتحاد الدولي للتأمين البحري إلى أن استهداف ناقلات النفط قد يتوسع ليشمل أنواعاً أخرى من السفن التجارية إذا استمر التصعيد، ما قد يؤدي إلى اضطرابات أكبر في حركة الملاحة العالمية وسلاسل الإمداد.
وبالنسبة لمصر، تشير تقديرات مؤسسات مالية دولية إلى أن التأثيرات المباشرة للحرب تبقى محدودة نسبياً، إلا أن التداعيات غير المباشرة قد تظهر عبر ارتفاع أسعار الطاقة وتأثيرها على التضخم، إلى جانب احتمالات الضغط على إيرادات السياحة وقناة السويس في حال استمرار التوترات لفترة طويلة.
ورغم ذلك، تشير التقديرات إلى أن الاقتصاد المصري قد يتمتع بدرجة من المرونة في مواجهة هذه التطورات، خاصة في ظل محدودية حجم التجارة المباشرة مع إيران، مع بقاء العوامل المرتبطة بأسعار النفط وتدفقات الاستثمار العالمي من أبرز المحددات لمسار التأثير الاقتصادي خلال الفترة المقبلة.







