تستعد الجهات المختصة في المملكة العربية السعودية لتنفيذ مراسم تغيير كسوة الكعبة المشرفة مع حلول غرة شهر محرم من كل عام هجري، في تقليد إسلامي راسخ يجسد عناية المملكة بالحرمين الشريفين وحرصها على الحفاظ على هذا الإرث الديني العظيم.
وتتم عملية استبدال الكسوة القديمة بأخرى جديدة وسط إجراءات دقيقة تشرف عليها فرق فنية متخصصة تعمل وفق أعلى المعايير الفنية والحرفية.
وتحظى مراسم تغيير الكسوة باهتمام واسع من المسلمين في مختلف أنحاء العالم، لما تمثله الكعبة المشرفة من مكانة عظيمة في قلوب المؤمنين، باعتبارها قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم. وتبدأ أعمال التغيير في ليلة رأس السنة الهجرية، حيث تعمل الفرق المختصة على إنزال الكسوة القديمة ورفع الكسوة الجديدة التي تم إعدادها وتجهيزها مسبقًا داخل مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة المشرفة.
وتتطلب هذه العملية جهودًا كبيرة وخبرة عالية، إذ يتم تنفيذها عبر مراحل منظمة تبدأ بإزالة المكونات المثبتة على الكسوة، مثل القناديل والزخارف والصمديات، تمهيدًا لفك أجزاء الثوب القديم. وبعد ذلك يتم إنزال الجوانب الأربعة للكسوة تدريجيًا من أعلى الكعبة إلى أسفلها، مع اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان تنفيذ المهمة بدقة وسلامة.
وتتميز الكسوة الجديدة بمواصفات فنية وهندسية دقيقة تجعلها واحدة من أكثر المنسوجات تميزًا على مستوى العالم. ويبلغ محيط الكسوة نحو 47 مترًا، وتتكون من أربع قطع رئيسية تغطي جدران الكعبة الأربعة بالكامل، بالإضافة إلى ستارة باب الكعبة التي تعد من أبرز الأجزاء وأكثرها لفتًا للأنظار.
ويتم تصنيع الكسوة باستخدام نحو 850 كيلوجرامًا من الحرير الطبيعي الخالص، الذي يخضع لعمليات معالجة وصباغة خاصة تمنحه اللون الأسود الداكن المعروف. كما تُطرز الكسوة بآيات قرآنية وعبارات إسلامية باستخدام ما يقارب 120 كيلوجرامًا من أسلاك الذهب والفضة، ما يضفي عليها مظهرًا مهيبًا يعكس مكانة الكعبة المشرفة وقدسيتها.
وتضم الكسوة عشرات الزخارف الإسلامية والنقوش الفنية التي تُنفذ بخطوط عربية متقنة، حيث تحتوي على 68 آية قرآنية موزعة بعناية على أجزاء الثوب المختلفة. ويشارك في تنفيذ هذه الأعمال نخبة من الحرفيين والفنيين الذين يمتلكون خبرات طويلة في مجالات النسيج والتطريز والخط العربي.
وتصل تكلفة إنتاج الكسوة الواحدة إلى نحو 25 مليون ريال سعودي، وهو ما يعكس حجم الجهود والإمكانات التي تُسخر سنويًا للحفاظ على هذا المعلم الإسلامي البارز. وتتكفل حكومة المملكة العربية السعودية بكامل نفقات التصنيع والاستبدال ضمن منظومة متكاملة تهدف إلى خدمة الحرمين الشريفين والعناية بكل ما يتعلق بهما.
وتُعد ستارة باب الكعبة من أكثر الأجزاء تعقيدًا في عملية التركيب، حيث تحتاج إلى عناية خاصة ودقة متناهية أثناء تثبيتها في موقعها المخصص. ويحرص الفنيون على تنفيذ هذه المرحلة وفق إجراءات دقيقة لضمان انسجامها مع بقية أجزاء الكسوة وإبراز جمالها الفني.
وتجسد مراسم تغيير كسوة الكعبة المشرفة عامًا بعد عام صورة من صور الاهتمام المتواصل بالحرمين الشريفين، كما تعكس مستوى التقدم الذي وصلت إليه الصناعات الحرفية المرتبطة بخدمة الأماكن المقدسة. وتبقى هذه المناسبة حدثًا روحانيًا مميزًا يترقبه المسلمون في مختلف أنحاء العالم مع بداية كل عام هجري جديد.







