تشهد المنظومة الضريبية في مصر مرحلة جديدة من التطوير مع أحدث تعديلات قانون الإجراءات الضريبية الموحد، والتي تستهدف تبسيط بيئة الأعمال وتسهيل إجراءات بدء الأنشطة الاقتصادية، إلى جانب تعزيز الامتثال الضريبي وتوفير آليات أكثر مرونة للممولين، بما يتماشى مع جهود الدولة لتحسين مناخ الاستثمار ودعم نمو القطاع الخاص.
وتضمنت التعديلات مجموعة من البنود التي تعيد تنظيم العلاقة بين الممول ومصلحة الضرائب، مع التركيز على تحقيق التوازن بين تبسيط الإجراءات وضمان الالتزام بالقواعد الضريبية. ويأتي ذلك في إطار استراتيجية تستهدف تحديث الإدارة الضريبية والاعتماد بشكل أكبر على النظم الإلكترونية، مع توفير حوافز وإجراءات مبسطة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
ومن أبرز التعديلات الجديدة إلزام جميع الممولين الذين يزاولون أنشطة تجارية أو صناعية أو حرفية أو مهنية بإمساك دفاتر وسجلات محاسبية منتظمة، سواء كانت ورقية أو إلكترونية، وذلك دون التقيد بالشرط السابق الذي كان يربط هذا الالتزام بتجاوز حجم الأعمال السنوي مبلغ 500 ألف جنيه.
ويهدف هذا التعديل إلى توحيد قواعد التنظيم المحاسبي وتعزيز الشفافية في تسجيل المعاملات المالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الفحص الضريبي وتقليل المنازعات.
وفي الوقت نفسه، حرصت التعديلات على استمرار تقديم التيسيرات الضريبية للمشروعات الصغيرة، حيث يظل العمل قائمًا بالأحكام الواردة في القانون رقم 6 لسنة 2025 الخاص بالمشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه.
وتستفيد هذه المشروعات من نظم ضريبية مبسطة وإجراءات محاسبية ميسرة، بما يخفف الأعباء الإدارية والمالية عليها، ويشجع أصحاب المشروعات على الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي.
كما استحدثت التعديلات مادة جديدة برقم 27 مكرر، تنص على منح الممول بطاقة ضريبية مؤقتة لمدة ثمانية أشهر، في خطوة تستهدف تسريع إجراءات تأسيس الشركات والحصول على التراخيص اللازمة لمزاولة النشاط.
وتمثل هذه البطاقة أحد أبرز أدوات التيسير التي تسمح للمستثمر أو صاحب النشاط ببدء الإجراءات التشغيلية دون انتظار الانتهاء من جميع الخطوات النهائية المتعلقة بالتسجيل الضريبي الدائم.
وتتيح البطاقة الضريبية المؤقتة للممول ممارسة النشاط وإتمام مختلف التعاملات المرتبطة به خلال فترة سريانها، إلا أنها تفرض ضوابط محددة، من بينها عدم السماح بإصدار الفواتير الإلكترونية أو الإيصالات الإلكترونية طوال مدة صلاحية البطاقة.
ويظل الممول ملتزمًا بسداد أي التزامات ضريبية تنشأ خلال هذه الفترة فور انتهاء صلاحية البطاقة واستكمال إجراءات التسجيل النهائي.
ويرى مختصون أن هذه التعديلات تمثل خطوة مهمة نحو تقليل الوقت اللازم لبدء النشاط الاقتصادي، خاصة بالنسبة للمستثمرين ورواد الأعمال، حيث تسهم في إزالة بعض العقبات الإجرائية التي كانت تؤخر مباشرة الأنشطة الجديدة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حقوق الخزانة العامة من خلال تنظيم عملية التحصيل والرقابة.
كما يتوقع أن تؤدي التعديلات إلى تعزيز التحول الرقمي داخل المنظومة الضريبية، من خلال تشجيع استخدام الدفاتر الإلكترونية وتوسيع نطاق التعاملات الرقمية، بما يدعم خطط الدولة في تطوير الخدمات الحكومية وتحسين كفاءة الأداء المؤسسي.
وتؤكد هذه الإصلاحات توجه الدولة نحو بناء نظام ضريبي أكثر مرونة وعدالة، يوازن بين تشجيع الاستثمار وتحقيق الامتثال الضريبي، مع توفير بيئة أعمال أكثر جذبًا للمستثمرين، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، وهو ما يعزز قدرة الاقتصاد المصري على تحقيق معدلات نمو مستدامة خلال السنوات المقبلة.







