يشهد قطاع التأمين في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة تحولاً تدريجياً في خريطة اهتمام شركات التأمين وإعادة التأمين العالمية، مع انتقال بوصلة الاستثمار من الأسواق التقليدية إلى الأسواق الناشئة التي تمتلك معدلات انتشار تأميني منخفضة، لكنها تتمتع بإمكانات نمو كبيرة على المدى المتوسط والطويل. ويبرز إقليم وسط أفريقيا كأحد أكثر الأقاليم التي بدأت تستقطب اهتمام المؤسسات المالية العالمية، مدفوعاً بموارده الطبيعية الضخمة، والإصلاحات التنظيمية المتسارعة، وتنامي الاستثمارات في قطاعات البنية التحتية والطاقة والتعدين.
ورغم أن الإقليم يضم أكثر من 200 مليون نسمة، ويحتضن احتياطيات ضخمة من النفط والغاز والمعادن الاستراتيجية مثل الكوبالت والنحاس والذهب والماس، فضلاً عن امتلاكه مساحات زراعية واسعة وغابات تُعد من الأكبر عالمياً، فإن قطاع التأمين لا يزال من أقل القطاعات المالية انتشاراً في القارة، حيث لا تتجاوز نسبة انتشار التأمين 0.7%، وهو ما يعكس حجم الفجوة التأمينية، وفي الوقت نفسه يفتح الباب أمام فرص استثمارية واعدة.
من سوق هامشية إلى وجهة استثمارية
لفترة طويلة، ارتبط ضعف صناعة التأمين في وسط أفريقيا بمحدودية التنمية الاقتصادية، وغياب الاستقرار السياسي في عدد من دول الإقليم، وانخفاض مستويات الدخل، الأمر الذي جعل الأسواق المحلية بعيدة عن اهتمام شركات التأمين العالمية.
إلا أن هذه النظرة بدأت تتغير بصورة ملحوظة خلال العقد الأخير، مع تبني العديد من الحكومات إصلاحات اقتصادية وتشريعية تستهدف تطوير القطاع المالي، إلى جانب تحسن بيئة الأعمال، وتزايد الاستثمارات الأجنبية، وارتفاع معدلات التحضر، فضلاً عن الانتشار السريع للتكنولوجيا المالية وخدمات الدفع عبر الهاتف المحمول.
وتشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن الأسواق ذات معدلات الانتشار المنخفضة غالباً ما تحقق أعلى معدلات النمو عند توافر البيئة التنظيمية المناسبة، وهو ما يجعل وسط أفريقيا من أكثر المناطق المرشحة لتحقيق طفرة في قطاع التأمين خلال السنوات المقبلة.
لماذا تأخر نمو صناعة التأمين؟
يرجع تأخر نمو قطاع التأمين في الإقليم إلى مجموعة من العوامل التاريخية والاقتصادية والاجتماعية التي تداخلت على مدار عقود.
فبعد استقلال معظم دول المنطقة في ستينيات القرن الماضي، انصبت جهود الحكومات على بناء مؤسسات الدولة وتوفير الخدمات الأساسية، بينما لم يحظ القطاع المالي، وعلى رأسه التأمين، بالأولوية الكافية.
كما ساهمت النزاعات المسلحة والاضطرابات السياسية التي شهدتها بعض الدول في الحد من تدفق الاستثمارات، إلى جانب ضعف البنية التشريعية، وغياب الأسواق المالية المتطورة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على نمو شركات التأمين.
ومن ناحية أخرى، يعتمد جانب كبير من اقتصاد الإقليم على الزراعة التقليدية والاقتصاد غير الرسمي، الأمر الذي قلل الطلب على المنتجات التأمينية، في ظل انخفاض مستويات الدخل، وضعف الثقافة التأمينية، واعتماد كثير من المجتمعات على شبكات التضامن العائلي بدلاً من الحلول التأمينية المنظمة.
كما واجهت شركات التأمين تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف التشغيل، ونقص الكفاءات الفنية، وضعف قواعد البيانات والإحصاءات، ما دفعها إلى التركيز على الشركات الكبرى والمشروعات الحكومية، بدلاً من التوسع في خدمات التأمين للأفراد والمشروعات الصغيرة.
سوق بقيمة 1.1 مليار دولار
رغم محدودية حجم السوق مقارنة ببقية الأقاليم الأفريقية، فإن سوق التأمين في وسط أفريقيا يحقق نمواً تدريجياً، إذ تقدر قيمة الأقساط التأمينية بنحو 1.1 مليار دولار، بينما تستحوذ الكاميرون وجمهورية الكونغو الديمقراطية والجابون على النسبة الأكبر من إجمالي السوق.
وتظل تأمينات الممتلكات والسيارات والأنشطة التجارية هي المحرك الرئيسي للسوق، في حين لا تزال تأمينات الحياة والتأمين الصحي في مراحل النمو الأولى، وهو ما يوفر فرصاً كبيرة للشركات الراغبة في التوسع مستقبلاً.
التشريعات الموحدة تقود الإصلاح
لعبت الأطر التنظيمية المشتركة دوراً محورياً في تطوير صناعة التأمين بالإقليم، وفي مقدمتها المؤتمر الأفريقي لأسواق التأمين (CIMA)، الذي نجح في توحيد التشريعات المنظمة لقطاع التأمين بين عدد من الدول الناطقة بالفرنسية، ووضع معايير موحدة للملاءة المالية والحوكمة والرقابة.
كما ساهمت المجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط أفريقيا (CEMAC) في تعزيز التكامل الاقتصادي، وتيسير حركة رؤوس الأموال، وتحسين البيئة الاستثمارية، وهو ما انعكس إيجابياً على القطاع المالي بوجه عام.
وقد ساعدت هذه الإصلاحات في تعزيز ثقة المستثمرين العالميين، وتشجيع شركات التأمين وإعادة التأمين على التوسع داخل الإقليم.
اهتمام متزايد من شركات إعادة التأمين
شهدت السنوات الأخيرة تحولاً في نظرة شركات إعادة التأمين العالمية تجاه وسط أفريقيا، نتيجة التوسع في مشروعات البنية التحتية، وزيادة الاستثمارات في قطاعات النفط والغاز والتعدين، فضلاً عن تصاعد مخاطر التغيرات المناخية والكوارث الطبيعية.
وباتت هذه الشركات لا تكتفي بتوفير الطاقة الاستيعابية للمخاطر، بل أصبحت شريكاً أساسياً في تطوير الأسواق المحلية من خلال نقل الخبرات الفنية، وتدريب الكوادر، وتصميم منتجات جديدة، ودعم عمليات التحول الرقمي.
التكنولوجيا تغير قواعد اللعبة
يُعد التحول الرقمي أحد أبرز محركات النمو في قطاع التأمين بوسط أفريقيا، إذ أسهم الانتشار الواسع للهواتف المحمولة وخدمات المحافظ الإلكترونية في إيصال الخدمات التأمينية إلى ملايين المواطنين الذين لم يسبق لهم التعامل مع المؤسسات المالية.
كما برزت شركات التكنولوجيا التأمينية (InsurTech) كلاعب جديد في السوق، عبر تقديم حلول رقمية تشمل إصدار الوثائق إلكترونياً، وسداد الأقساط، وتسوية المطالبات، واستخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في تقييم المخاطر والكشف عن الاحتيال وتحسين الاكتتاب.
وأدى ذلك إلى خفض تكاليف التشغيل، وتسريع تقديم الخدمات، وتحسين تجربة العملاء، وهو ما ساعد على توسيع قاعدة المؤمن لهم.
فرص واعدة أمام التأمين الصحي والزراعي وتأمينات الحياة
تشير المؤشرات إلى أن أكثر فروع التأمين مرشحة للنمو خلال السنوات المقبلة هي تأمينات الحياة، والتأمين الصحي، والتأمين الزراعي.
فارتفاع الدخول تدريجياً، واتساع الطبقة المتوسطة، وزيادة التوظيف في القطاعات المنظمة، يعزز الطلب على منتجات الحماية والادخار.
كما أدى الضغط المتزايد على الأنظمة الصحية إلى رفع أهمية التأمين الطبي، في حين دفعت التغيرات المناخية والمؤسسات الدولية إلى الاهتمام بالتأمين الزراعي لحماية المزارعين من مخاطر الجفاف والفيضانات وتقلبات الطقس.
مستقبل القطاع
رغم استمرار تحديات مثل ضعف البنية التحتية الرقمية، والتفاوت الاقتصادي بين دول الإقليم، ونقص الكفاءات، ومحدودية الوعي التأميني، فإن معظم المؤشرات الاقتصادية تؤكد أن وسط أفريقيا تقف أمام مرحلة تحول تاريخية.
ومع استمرار الإصلاحات التشريعية، وزيادة الاستثمارات، والتوسع في الشمول المالي، والاعتماد على التكنولوجيا، يتوقع أن يتحول الإقليم خلال العقد المقبل إلى أحد أسرع أسواق التأمين نمواً في أفريقيا، بما يجعله وجهة رئيسية لشركات التأمين وإعادة التأمين العالمية الباحثة عن فرص نمو جديدة.
ويؤكد خبراء القطاع أن النجاح في استثمار هذه الفرص سيعتمد على قدرة الحكومات على مواصلة الإصلاحات، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وتطوير البيئة التشريعية، إلى جانب الاستثمار في التكنولوجيا ورأس المال البشري، بما يضمن بناء سوق تأمين أكثر قوة وشمولاً واستدامة، وقادرة على دعم النمو الاقتصادي وحماية الاستثمارات في واحدة من أكثر مناطق العالم ثراءً بالموارد الطبيعية وأكثرها احتياجاً إلى الخدمات المالية الحديثة.







