لم تعد الهجمات السيبرانية في الشرق الأوسط أحداثاً عابرة أو اختراقات تقنية محدودة؛ بل تحوّلت إلى مؤشر واضح على تغيّر طبيعة الاستهداف ذاته؛ فالمجرمون السيبرانيون اليوم لا يستهدفون الأنظمة بقدر ما يستهدفون البيانات، العمود الفقري الذي تستند إليه المؤسسات والخدمات العامة، ومع تسارع إدماج الذكاء الاصطناعي في صميم العمليات اليومية تجد المؤسسات نفسها أمام تحوّل جوهري يفرض عليها إعادة النظر في كيفية حوكمة البيانات الحساسة وحمايتها واستعادتها.
وتكشف أحدث أبحاثنا التي أجريناه في دولة الإمارات عن اتساع الفجوة بين الامتثال الشكلي والجاهزية الحقيقية بشكل مقلق؛ فعلى الرغم من أن 66% من المؤسسات تؤكد التزامها الكامل بقوانين حماية البيانات الوطنية، إلا أن ثلثها لا يزال عاجزاً عن مواكبة الأطر التنظيمية المتسارعة، في حين بات 62% منهم يراقبون امتثال مزودي الخدمات من الأطراف الثالثة ومشغلي الحوسبة السحابية، ويؤكد ذلك أن قضايا سيادة البيانات وحوكمة الذكاء الاصطناعي لم تعد شأناً تشريعياً أو نظرياً، بل أصبحت مسألة تشغيلية تمسّ جوهر العمل المؤسسي.
والسؤال الواجب طرحه في عصر يحكمه الذكاء الاصطناعي هو: هل بيانات المؤسسات مؤهلة لاستخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول، قانوني، وآمن؟ بدل عن ماذا يمكن للمؤسسات فعله بتقنياته؟، فالاستخدام الرشيد للذكاء الاصطناعي يبدأ من وضوح موقع البيانات، وفهم مستويات حساسيتها، وضبط آليات الوصول إليها، وضمان القدرة على استعادتها دون المساس بسلامتها.
هذا الواقع أسهم في تنامي الاهتمام بمفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي في المنطقة، باعتباره إطاراً يتيح قدراً أعلى من التحكم في مواقع البيانات وآليات إدارتها واستعادتها، حيث يؤدي تبنّي هذا النهج إلى تعزيز الامتثال وبناء الثقة، غير أن فعاليته تبقى مرهونة بوجود أطر حوكمة متوازنة تُمكّن الابتكار والتعاون، ولا تحوّل السيادة إلى عائق أمام التطور.
وبحلول عام 2026، لن تُقاس خصوصية البيانات بما يرد في السياسات أو اللوائح فحسب، بل بقدرة المؤسسات على حماية بياناتها، والتحقق من سلامتها، والاستجابة السريعة عند حدوث أي اضطراب، أما المؤسسات التي تُدمج الخصوصية والمرونة الرقمية ضمن بنيتها التشغيلية منذ البداية، فستكون الأقدر على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي دون تعريض نفسها لمخاطر إضافية.







