تراجعت الأسهم الأمريكية بشكل حاد يوم الخميس، مع تجدد موجة البيع في أسهم التكنولوجيا، ما وسّع نطاق فترة التقلب التي تشهدها أسواق الأسهم العالمية. ويواجه المستثمرون بصورة متزايدة احتمال أن تؤدي القفزات السريعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى إحداث اضطرابات في قطاعات كاملة، من البرمجيات والخدمات المالية إلى إدارة الثروات وتوفير البيانات القانونية، مع ما قد يرافق ذلك من إحلال واسع للوظائف وتغيرات هيكلية عميقة.
واتسمت التداولات الأخيرة بتحركات حادة وعابرة للقطاعات، بما يعكس ذهنية “البيع الآن وطرح الأسئلة لاحقاً” في ظل سعي الأسواق إلى تسعير الأثر الاضطرابي للذكاء الاصطناعي. وخلال الأسبوعين الماضيين فقط، ضغطت المخاوف من الإحلال التكنولوجي على أسهم شركات الائتمان الخاص، ووسطاء التأمين، ومستشاري الثروات، ومزودي البيانات المالية والقانونية. كما عمد المستثمرون إلى التحول بعيداً عن بعض الرابحين السابقين، بمن فيهم عدد من عمالقة التكنولوجيا ضمن مجموعة “السبعة الكبار”، نحو قطاعات أخرى، بل وفي بعض الحالات بعيداً عن الأسهم الأمريكية كلياً.
ونتيجة لذلك، دخل كل من مؤشر ستاندرد آند بورز 500 ومؤشر ناسداك المنطقة السلبية منذ بداية العام، في حين سجلت المؤشرات الأوروبية والآسيوية مكاسب. وارتفع صندوق متداول رئيسي يتتبع الأسواق الناشئة الأساسية بأكثر من 11% منذ بداية العام، ما يبرز اتجاهاً متزايداً نحو التنويع الجغرافي.
وتشير البيانات الأمريكية الأخيرة إلى استمرار توسع الاقتصاد، مع مكاسب وظيفية متواضعة، وتوقعات تضخم تتباطأ لكنها لا تزال لزجة، إضافة إلى بؤر ضعف في إنفاق المستهلكين وقطاع الإسكان. وكان مجلس الاحتياطي الفدرالي قد تحوّل بالفعل إلى موقف أكثر تيسيراً عبر خفض أسعار الفائدة واستئناف توسيع الميزانية العمومية، في إطار ما وُصف بأنه “إجراء وقائي” ضد ضعف سوق العمل. غير أن المعارضة الداخلية لمزيد من التيسير تزايدت، فيما تسعّر الأسواق حالياً خفضين إضافيين فقط بواقع 25 نقطة أساس لكل منهما هذا العام.
السلع وأسهم الموارد تبرز كرابحين نسبيين
في ظل هذه الأجواء من عدم اليقين في أسواق الأسهم، سجلت السلع والأسهم المرتبطة بها أداءً قوياً. وعلى مستوى القطاعات، نشهد مكاسب في جميعها باستثناء السلع اللينة، التي تكبدت خسائر واسعة بقيادة الكاكاو والقهوة. وإلى جانب الطاقة، التي حققت مكاسب قوية على نحو مفاجئ مع تراجع التركيز على فائض المعروض بفعل المخاطر الجيوسياسية، سجلت المعادن النفيسة أيضاً مكاسب رغم الهبوط التاريخي في مطلع الشهر، والذي لا يزال القطاع يسعى للتعافي منه.
ويتحرك الغاز الطبيعي بشكل أفقي منذ بداية العام ويتداول قرب أدنى مستوياته في أربعة أسابيع عند نحو 3.14 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بعدما تراوح ضمن نطاق واسع بين 3 و8 دولارات هذا العام. وقد أدت عاصفة شتوية في الولايات المتحدة واستمرار الطقس البارد إلى خفض المخزونات بأكثر من 600 مليار قدم مكعب خلال الأسبوعين الماضيين لتصل إلى 2.214 تريليون قدم مكعب، أي أقل بنسبة 5.5% من متوسط الخمس سنوات. ومع توقعات بسحب كبير آخر الأسبوع المقبل، قد يصبح السوق عرضة لمزيد من الضغوط إذا امتدت موجة البرد إلى مارس.
وبالإضافة إلى تباطؤ النشاط في الصين قبيل عطلة رأس السنة القمرية، تراجع النيكل خلال الأسبوع رغم اتخاذ إندونيسيا، أكبر مورد عالمي، خطوات لدعم الأسعار عبر توجيه أحد أكبر مناجمها لخفض الإنتاج. كما انخفض الألمنيوم عقب تقارير تفيد بأن إدارة ترامب تدرس تضييق نطاق الرسوم الجمركية الأمريكية على بعض المنتجات المعدنية. وكانت الرسوم التي فُرضت العام الماضي على الألمنيوم والصلب قد عطّلت تدفقات التجارة العالمية، وخفضت الشحنات إلى الولايات المتحدة، بينما رفعت الأسعار المحلية.
وهبطت عقود السكر الآجلة إلى أدنى مستوياتها في خمس سنوات، لتفقد أكثر من نصف قيمتها منذ ذروة نوفمبر 2023 فوق 28 سنتاً للرطل، تحت ضغط توقعات بمحصول برازيلي وفير من شأنه توسيع الفائض العالمي. كما تعزز التراجع بفعل تباطؤ أشد من المتوقع في استهلاك السكر في الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات المتقدمة، ويرتبط ذلك جزئياً بالانتشار المتزايد لأدوية إنقاص الوزن من فئة GLP-1 التي تحدّ من الشهية للسكريات.
وفي سياق آخر، يُظهر قطاع الحبوب، الذي كان مفضلاً لعمليات البيع على المكشوف لدى المضاربين في الأشهر الأخيرة، مؤشرات أولية على التعافي. وقاد هذه الحركة الطلب القوي على زيت فول الصويا، ومؤخراً القمح، مدعوماً بمخاوف بشأن محصول القمح الشتوي الأمريكي وعمليات تغطية المراكز المكشوفة من قبل الصناديق بعد أشهر طويلة من التمركز البيعي المرتفع لدى صناديق التحوط.
وفي مجمع فول الصويا، برز زيت فول الصويا كالأفضل أداءً بارتفاع يقارب 18% منذ بداية العام، منفصلاً عن فول الصويا (+9%) وكسبة الصويا (+3.3%). ويعكس هذا الأداء تحوّلاً هيكلياً في الطلب مرتبطاً بعملية التحول في قطاع الطاقة، إذ بات زيت الصويا يُنظر إليه كمدخل استراتيجي للطاقة وليس مجرد سلعة غذائية. وقد وضعت متطلبات خلط الوقود الحيوي الأعلى للفترة 2026–2027 أرضية للاستهلاك المحلي، فيما تواصل قدرات الديزل المتجدد التي أُضيفت أواخر 2025 استيعاب كميات متزايدة من المواد الأولية.
ويواصل النحاس تذبذبه حول مستوى 6 دولارات للرطل. وتشير زيادة المخزونات المرئية، وضعف الطلب الصيني قبيل العطلات، وهيكل كونتانغو بين السعر الفوري وثلاثة أشهر في لندن، إلى وفرة في المعروض على المدى القريب، ما يحدّ من جاذبية النحاس كموضوع استثماري طويل الأجل مدفوع بالكهربة، وطلب مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي على الطاقة، والمركبات الكهربائية، وبنية التبريد التحتية. ورغم بقاء السردية الطويلة الأجل داعمة، قد تظل المكاسب قصيرة الأجل محدودة إلى أن تعود إشارات الطلب بعد العطلات.
وبشكل عام، دعمت هذه التطورات فئة الأصول، إذ يتداول مؤشر بلومبرغ للسلع بإجمالي العائد على ارتفاع بنحو 7% منذ بداية العام، و15% خلال الاثني عشر شهراً الماضية، مدعوماً بصلابة الطلب، وقيود العرض، وضعف الدولار، واستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي.
ومع هذه الاتجاهات المتطورة، تظل تدفقات المستثمرين إلى الأصول الملموسة قوية. فقد سجلت الصناديق المتداولة التي تتبع الذهب والفضة والنحاس ومنتجي اليورانيوم مكاسب تراوحت بين 15% و21%، ما يعكس استمرار الطلب على أدوات التحوط من التضخم، ومعادن التحول الطاقي، والأصول التي يُنظر إليها على أنها أكثر صموداً خلال فترات الضغوط في الأسواق المالية. ويبرز هذا التباين بين أسهم النمو المتعثرة والأصول الحقيقية المتماسكة تحولاً مهماً في قيادة السوق، قد يواصل التأثير في قرارات توزيع الأصول عبر الفئات المختلفة في الأشهر المقبلة.
تعافي المعادن يواجه تحديات بفعل مخاوف أسواق الأسهم
تعرض كل من الذهب والفضة لانتكاسة جديدة ضمن موجة البيع الأوسع في وول ستريت، مدفوعة بالمخاوف بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي في أرباح الشركات. وتفاقمت التحركات بفعل ضعف السيولة، في وقت لا يزال فيه المتداولون متأثرين بموجة الهبوط التاريخية في مطلع الشهر. ومرة أخرى، تحملت الفضة العبء الأكبر من الضغوط، مع بقاء المؤشرات الفنية قصيرة الأجل ضعيفة وتراجع نشاط المتداولين الصينيين قبيل عطلة رأس السنة القمرية التي ستغلق الأسواق لأكثر من أسبوع بدءاً من 15 فبراير.
ورغم التصحيح الأخير، اتخذ الذهب خطوات حذرة نحو الاستقرار، إذ تراجعت التقلبات إلى مستويات ما قبل التصحيح، بينما تحاول الأسعار إعادة التمركز حول 5,000 دولار. وعلى الرغم من بقاء المعدن عرضة لنوبات خفض المخاطر من قبل الاستراتيجيات المنهجية والآلية، فإن تراجع التمركز لدى الصناديق ذات الرافعة المالية مثل صناديق التحوط ومستشاري تداول السلع (CTAs) من شأنه الحد من انتقال الضغوط من قطاعات أخرى.
ولا يزال الطلب الاستراتيجي قائماً، مدعوماً بمشتريات البنوك المركزية، وتنويع الاحتياطيات، والمخاوف المالية، وحالة عدم اليقين الجيوسياسي. وبعد تعافيه بنحو نصف نطاق التصحيح بين 4,690 و5,900 دولار، فإن اختراق مستوى 5,140 دولار قد يشير إلى استئناف الزخم الصعودي، في حين إن الهبوط دون 4,860 دولار قد يعكس مرحلة تماسك أطول.
أما الفضة، فقد استوعبت مجدداً الجزء الأكبر من الضغوط، ولا تزال تمثل المعدن الرئيسي المرتبط بمخاطر الذيل في السوق. وتظل التقلبات مرتفعة والمؤشرات الفنية قصيرة الأجل ضعيفة مع تراجع المشاركة الصينية قبيل إغلاق رأس السنة القمرية. كما تراجع الفارق السعري في شنغهاي إلى مستويات أحادية منخفضة، ما خفف من التوتر بين الشرق والغرب. ورغم استمرار العجز الهيكلي وضيق الإمدادات على المدى الطويل كعوامل داعمة، فإن الأسعار المرتفعة قد تحفّز إحلال الطلب وزيادة تدفقات الخردة.
لماذا يبقى احتمال حدوث ضغط شراء في الفضة مدفوع بعقود كومكس أمراً غير مرجح للغاية
يركز بعض المتفائلين بالفضة حالياً على مخزونات كومكس المسجلة مقابل حجم العقود المفتوحة في عقد مارس، الذي يبلغ يوم الإشعار الأول في 27 فبراير. وتقوم الرواية على احتمال أن تتجاوز التسليمات المحتملة المخزونات “المتاحة”. وهناك عدة أسباب تجعل من غير المرجح أن يتحول ذلك إلى قيد فعلي:
أ) ينخفض حجم العقود المفتوحة عادةً بشكل حاد قبيل فترة الإشعار (التسليم) مع ترحيل المراكز أو إغلاقها.
ب) يمتد التسليم على مدار شهر التسليم بالكامل حتى 30 مارس، ولا يحق سوى للبائعين بدء عملية التسليم عبر إصدار الإشعارات، وبعدها تقوم غرفة المقاصة بتخصيص التسليم لحاملي المراكز الشرائية الذين يظلون مفتوحين خلال الفترة.
ج) يحدّ إطار عمل البورصة من مخاطر “التخلف عن السداد” عبر حدود مراكز شهر الاستحقاق وحدود التسليم/الشهادات، كما يحتفظ بصلاحيات طارئة (بما في ذلك الأمر بالتصفية للمشاركين غير القادرين أو غير الراغبين في التسليم أو الاستلام).
د) المخزونات المسجلة ليست ثابتة، إذ يمكن تحويل المعدن من فئة “المؤهل” إلى “المسجل” عند إصدار شهادات الإيداع.
وأي تباطؤ في وتيرة تراجع العقود المفتوحة لعقد مارس قد يلفت الانتباه، ما يجعل الفارق السعري بين مارس ومايو جديراً بالمراقبة. وهو يتداول حالياً في حالة كونتانغو بواقع 60 سنتاً، أو نحو 4.6% على أساس سنوي، وهو ما لا يشير في هذه المرحلة إلى ضغوط تمويل أو تسليم.







