مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يتجدد الحديث عن نية الصيام وأهميتها بوصفها الركن الأساسي الذي يميز العبادة ويحدد مقصدها، إذ يتحقق صيام رمضان بأن يعقد المسلم العزم في قلبه من ليلته على صيام اليوم التالي أداء لفريضة الشهر في سنته المعينة، وبذلك يتميز صيام الفرض عن غيره من صيام التطوع أو القضاء.
ويؤكد العلماء أن النية محلها القلب، ولا يشترط التلفظ بها، لأن المقصود هو استحضار القصد والعزم على أداء العبادة تقربا إلى الله تعالى. وتصح النية إما بتحديد صيام اليوم نفسه أو بعقد نية صيام شهر رمضان كاملا في أول ليلة منه، كأن يعزم المسلم على صيام الشهر كله. ويرى عدد من الفقهاء أن نية واحدة في بداية الشهر تكفي لصيامه كاملا، فيما يستحب تجديد النية كل ليلة خروجا من خلاف العلماء وحرصا على استحضار معنى العبادة وتجديد العهد مع الله.
وتتجلى أهمية النية في كونها تعبيرا عن الإرادة الصادقة في الطاعة، فهي التي تحول الامتناع عن الطعام والشراب إلى عبادة يؤجر عليها الصائم. ومن هنا ارتبطت النية بالدعاء، حيث يحرص كثير من المسلمين على ترديد أدعية تعينهم على الصيام والقيام وتذكرهم بفضل الشهر الكريم.
ومن الأدعية المأثورة التي يرددها المسلمون عند دخول رمضان الدعاء بأن يهل الشهر بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، وأن يكون عونا على الصلاة والصيام وتلاوة القرآن، وأن يتقبله الله قبولا حسنا ويجعله سببا في مغفرة الذنوب والرحمة والعفو. كما يدعو الصائم بأن يوفقه الله لصيام رمضان إيمانا واحتسابا، وأن يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
ويكثر أيضا الدعاء بطلب العون على أداء العبادة على الوجه الأكمل، فيسأل الصائم ربه أن يعينه على الصيام والقيام، وأن يجنبـه الزلات والآثام، وأن يرزقه ذكره وشكره وحسن عبادته. كما يتضرع بأن يكون صيامه صيام الصائمين وقيامه قيام القائمين، وأن يوقظه من غفلة القلب، ويقربه إلى مرضاته، ويباعد بينه وبين سخطه ونقمته، ويوفقه لتلاوة آياته آناء الليل وأطراف النهار.
ولا تخلو الأدعية من طلب المغفرة والستر وقضاء الحاجات، إذ يسأل المسلم ربه بأسمائه الحسنى أن يغفر ذنوبه، ويفرج كربه، ويصلح أهله وذريته، ويرحمه برحمة واسعة تغنيه عن رحمة سواه. كما يدعو بأن يكفيه الله بحلاله عن حرامه، وأن يغنيه بفضله عمن سواه، وأن يقيله من عثراته، ويغفر زلاته، ويكفر سيئاته، ويتوفاه مع الأبرار.
ويؤكد المختصون في الشأن الديني أن رمضان ليس مجرد امتناع جسدي عن المفطرات، بل هو عبادة قلبية قبل كل شيء، تبدأ بالنية الصادقة وتنتهي بتحقيق التقوى. فالنية هي البوابة الأولى للصيام الصحيح، وهي التي تمنح العمل معناه وقيمته، وتجعل من الشهر الكريم فرصة حقيقية للتوبة وتجديد الإيمان، ليخرج المسلم منه بروح أكثر صفاء وقلب أكثر قربا من الله تعالى.







