يسعدني أن أرحب بكم في بيروت، وأن أشارككم افتتاح هذا المؤتمر العربي الإقليمي الذي يجمع نخبة من المسؤولين وممثلي السلطات الرقابية والمؤسسات المالية من مختلف أنحاء منطقتنا العربية.
ويؤكد هذا الحضور أهمية الحوار المستمر وتبادل الخبرات في مواجهة التحديات المالية العابرة للحدود، إلى جانب ضرورة مواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية، وتعزيز التنسيق والتعاون بين الأجهزة الرقابية والمؤسسات المعنية.
وأتوجه بالشكر إلى الجهات المنظمة لهذا المؤتمر على هذه المبادرة المهمة، التي تتيح منصة للحوار وتبادل التجارب والخبرات حول أحد أكثر الملفات تأثيرًا في استقرار الأنظمة المالية والاقتصادات العربية.
الثقة.. رأس المال غير المرئي للنظام المالي
يقوم أي نظام مالي مستقر وناجح على ركيزتين أساسيتين.
الأولى ملموسة، تتمثل في القوانين والتشريعات والأنظمة الرقابية والمؤسسات الناظمة، إلى جانب البنية التحتية المالية التي تشمل المصارف والوسطاء والأسواق.
أما الركيزة الثانية فهي غير ملموسة، لكنها ربما تكون الأكثر تأثيرًا، وهي الثقة.
فالثقة تمثل رأس مال معنويًا لا يظهر في الميزانيات والقوائم المالية، إلا أن كل ما نبنيه داخل النظام المالي يعتمد عليها. وعندما تتآكل هذه الثقة، تصبح قدرة المؤسسات والأسواق على أداء دورها الاقتصادي والتمويلي أكثر عرضة للخطر.
ومن هنا تأتي أهمية موضوع هذا المؤتمر، لأن مكافحة غسل الأموال، أو بصورة أدق إعادة تدوير الأموال غير المشروعة، وتمويل الإرهاب والفساد، لا تتعلق فقط بفرض متطلبات امتثال إضافية أو توقيع العقوبات والغرامات.
فهذه الممارسات تمثل محاولات لاختراق الاقتصاد المشروع وإضعاف المؤسسات وتحويل النظام المالي من أداة لدعم النمو والاستثمار إلى قناة يمكن استغلالها لحماية الجريمة وتمويل العنف وتقويض سيادة القانون.
وخلال العقود الماضية، تطورت المعايير الدولية والإقليمية على أساس واضح مفاده أن الوقاية من الجريمة المالية أكثر فاعلية وأقل تكلفة من التعامل مع آثارها بعد وقوعها.
لكن السؤال الأكثر أهمية اليوم هو: لماذا لا تزال الأموال غير المشروعة قادرة على اختراق أنظمة تمتلك، من حيث المبدأ، أدوات الحماية والرقابة؟
تؤكد التجارب الدولية، ومن بينها التجربة اللبنانية، أن قوة المنظومة الرقابية لا تعتمد على قاعدة واحدة أو مؤسسة واحدة، وإنما على منظومة متكاملة من الحلقات المترابطة، بحيث يمكن لثغرة واحدة أن تضعف النظام بأكمله مهما كانت قوة بقية مكوناته.
«حلقات النار الثلاث».. منظومة متكاملة للوقاية
من هذا المفهوم انطلقت مبادرة مصرف لبنان عام 2025 لإرساء مفهوم «حلقات النار الثلاث» – The Three Rings of Fire.
ولا تقوم المبادرة على ثلاث قواعد منفصلة، وإنما على ثلاث حلقات متكاملة تستهدف إغلاق الثغرات المحتملة في منظومة تحويل الأموال، بحيث لا تتحول أي نقطة داخل النظام المالي إلى منفذ يمكن أن تستغله الجريمة المالية.
الحلقة الأولى.. بوابة الدخول إلى النظام المالي
تبدأ الحلقة الأولى عند حدود النظام المالي، أي عند تحديد الجهات والأشخاص الذين يحق لهم الدخول إلى القطاع المالي، وإدارة المؤسسات المالية أو تملكها.
وفي هذا الإطار، عمل مصرف لبنان، ولا سيما في قطاع الصرافة ومؤسسات خدمات الدفع، على تشديد متطلبات الترخيص والملاءة والحوكمة، وتعزيز تطبيق قواعد اعرف عميلك (KYC)، بما يحد من احتمالات تسلل الجهات غير المشروعة إلى النظام المالي الرسمي.
كما تخضع عمليات تحويل أو استلام الأموال نقدًا التي تتجاوز ألف دولار أميركي لمتطلبات رقابية مشددة، في إطار تعزيز الشفافية والسيطرة على التدفقات النقدية ذات المخاطر المرتفعة.
الحلقة الثانية.. الرقابة المستمرة على حركة الأموال
أما الحلقة الثانية، فتتمثل في نقطة التقاء المؤسسة المالية بالعميل.
فمعرفة العميل والمستفيد الحقيقي عند فتح الحساب لم تعد كافية، لأن المخاطر المالية ليست ثابتة، كما أن طبيعة العلاقة المالية يمكن أن تتغير مع مرور الوقت.
ولهذا عزز مصرف لبنان متطلبات المتابعة المستمرة لحركة الأموال بين المصارف وعملائها، بما يسمح بتقييم كل عملية في سياقها الكامل، بدل التعامل معها باعتبارها معاملة منفردة ومعزولة.
وفي هذا السياق، تخضع عمليات تحويل أو استلام الأموال نقدًا التي تتجاوز عشرة آلاف دولار أميركي لمتطلبات دقيقة من الرقابة والشفافية والمساءلة.
الحلقة الثالثة.. حماية العلاقات مع المصارف المراسلة
وتتعلق الحلقة الثالثة بالعلاقة مع المصارف الأجنبية المراسلة، وهي الحلقة التي تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى اقتصادات المنطقة، ومن بينها لبنان.
ويعمل مصرف لبنان على حماية القطاع المصرفي اللبناني من مخاطر عدم الامتثال المرتبطة بالتعامل مع أموال قد تكون ذات مصادر مشبوهة أو مرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات، إلى جانب تعزيز القدرة على تحديد مصدر الأموال والغاية الاقتصادية منها.
فالمصرف المراسل لا يقيّم سلامة عملية مالية واحدة فقط، وإنما ينظر إلى البيئة الرقابية والمؤسسية التي تعمل في إطارها المؤسسة المالية بأكملها.
ومن هنا، فإن الحفاظ على علاقات مصرفية مراسلة قوية لا يمثل ملفًا تجاريًا فحسب، بل يشكل اختبارًا مستمرًا لمصداقية وكفاءة النظام الرقابي الوطني.
وتختلف كلفة انهيار هذه الحلقات بحسب موقعها. فضعف الحلقة الأولى أو الثانية يحد من قدرة النظام على ممارسة الرقابة الداخلية، بينما يمكن أن يؤدي ضعف الحلقة الثالثة إلى مخاطر أوسع، تصل إلى احتمال عزل النظام المصرفي الوطني عن أجزاء من النظام المالي العالمي.
من الامتثال الشكلي إلى الرقابة الفعالة
لا تكتمل فعالية حلقات النار الثلاث إلا عندما تعمل جميعها بصورة متكاملة.
فالترخيص من دون رقابة لاحقة يمثل ثغرة، والمتابعة من دون تحليل فعّال للبيانات تمثل ثغرة، والإشراف من دون معلومات متكاملة يمثل ثغرة أخرى.
والهدف ليس فقط تسجيل المخالفات بعد وقوعها، وإنما بناء منظومة قادرة على منع الاختراق قبل حدوثه.
وفي هذا السياق، يجب الإقرار بأن التركيز خلال العقود الماضية انصب بدرجة كبيرة على مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط ولبنان، حيث احتل تمويل الإرهاب موقعًا متقدمًا في سلم الأولويات.
ولا شك أن مكافحة تمويل الإرهاب ستظل أولوية لا خلاف عليها، ويجب التعامل معها بأقصى درجات الحزم.
لكن هناك جانبًا آخر لا يقل خطورة، يتعلق بمليارات الدولارات المرتبطة بالفساد، سواء من خلال اختلاس الأموال العامة والخاصة أو التحويلات المرتبطة بالأشخاص المعرّضين سياسيًا (PEPs) أو الفساد التجاري والسياسي.
ومن وجهة نظرنا، فإن تمويل الإرهاب واختلاس الأموال والفساد المالي والسياسي تمثل جميعها مصادر خطرة للأموال غير المشروعة، ويجب التعامل معها بالمستوى نفسه من الصرامة، محليًا ودوليًا.
التكنولوجيا.. الحلقة الجديدة في منظومة المخاطر
أيها الحضور الكريم،
يفرض التطور المتسارع في التكنولوجيا المالية والأصول الرقمية والعملات المشفرة تحديات جديدة أمام جهود مكافحة الأموال غير المشروعة وتمويل الإرهاب والفساد والرشوة.
فالمال غير المشروع يميل بطبيعته إلى البحث عن الأدوات والوسائل الحديثة، وخاصة القطاعات الناشئة التي لم تكن جزءًا من النظام المالي التقليدي، أو التي لا تزال أطرها التنظيمية في مراحل التطوير.
ولهذا عمل مصرف لبنان على تحديث الأطر الرقابية التي تشمل مؤسسات الدفع والتحويل، والمحافظ الرقمية، والمؤسسات المالية غير المصرفية، بما يتناسب مع التطورات التي يشهدها القطاع المالي.
ويستند هذا التوجه إلى مبدأ أساسي مفاده أن الأنشطة المالية المتشابهة في طبيعتها ومخاطرها يجب أن تخضع لمتطلبات رقابية تتناسب مع حجم المخاطر التي تنطوي عليها.
وفي ظل عدم وجود إطار تشريعي حالي في لبنان ينظم التعامل بالأصول الرقمية والعملات المشفرة، يعمل مصرف لبنان بالتعاون مع بنك فرنسا المركزي (Banque de France) على إعداد مجموعة من التعاميم والأطر التنظيمية الجديدة لتنظيم هذه الأنشطة وإخضاعها لرقابة فعالة، وليس بهدف حظرها أو الحد منها.
وتستهدف هذه المقاربة تعزيز متطلبات الإبلاغ عن العمليات المشبوهة، ودمج الأنشطة الرقمية ضمن المنظومة الرقابية، بما يتوافق مع أفضل الممارسات والمعايير الدولية.
التحدي الحقيقي.. تحويل النصوص إلى نتائج
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
فلا قيمة لأي منظومة رقابية إذا بقيت نصوصها حبيسة الأوراق.
لقد أثبتت التجربة أن أخطر الثغرات لا تكمن دائمًا في غياب القواعد، وإنما في ضعف تطبيقها، أو تطبيقها بصورة انتقائية، أو تحول الاستثناء المؤقت إلى ممارسة دائمة.
فعندما يطبق القانون على البعض دون البعض الآخر، تتحول أقوى القواعد على الورق إلى أضعف حلقات المنظومة في الواقع.
ومن هذا المنطلق، فإن المؤسسات التي تفشل في تطبيق برامج امتثال فعالة، سواء لأسباب بشرية أو تنظيمية، يجب أن تواجه تبعات رقابية حازمة، من دون استثناءات.
ويعمل مصرف لبنان بالتعاون مع مختلف السلطات اللبنانية المعنية، بما في ذلك وزارات المال والعدل والداخلية، وبالتنسيق مع رئاسة مجلس الوزراء، على تنفيذ خطة العمل المتفق عليها مع مجموعة العمل المالي (FATF)، عقب إدراج لبنان على قائمة المراقبة المعززة في أكتوبر 2024.
ونتعامل مع خطة العمل هذه ليس باعتبارها مجرد التزام خارجي، وإنما باعتبارها استحقاقًا وطنيًا وفرصة لمعالجة أوجه القصور وإثبات فعالية المنظومة من خلال نتائج واضحة وقابلة للقياس والتحقق.
كما نعمل على ضمان توافق برامج الامتثال لدى المؤسسات المالية مع نتائج التقييم الوطني لمخاطر إعادة تدوير الأموال غير المشروعة وتمويل الإرهاب، بحيث تتركز جهود القطاع المالي على المخاطر ذات الأولوية الوطنية.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يقاس نجاح المنظومة بعدد التقارير التي يتم تقديمها، وإنما بالنتائج الفعلية التي تحققها: تحقيقات تصل إلى القضاء، وملاحقات تنتهي بإدانات، وأموال غير مشروعة تتم مصادرتها واستردادها فعليًا.
البعد العربي والإقليمي.. لا حدود للأموال غير المشروعة
وعلى المستوى الإقليمي، يتكرر التحدي نفسه ولكن على نطاق أوسع.
فالأموال غير المشروعة لا تتوقف عند الحدود الوطنية، وإنما تبحث باستمرار عن الدولة الأقل صرامة، أو الجهة الأقل تنسيقًا، أو القناة التي لا تصل إليها أدوات التعاون وتبادل المعلومات.
ومن هنا، فإن قوة المنظومة المالية الإقليمية لا ينبغي أن تقاس بأقوى مصرف مركزي أو أكثر المؤسسات تطورًا، وإنما بقدرة جميع مكوناتها على العمل معًا وإغلاق أضعف حلقات التعاون بينها.
ولهذا، فإن التعاون العربي يجب أن يتجاوز تبادل المواقف إلى بناء آليات أسرع وأكثر فاعلية لتبادل المعلومات، وتعزيز التنسيق بين المصارف المركزية ووحدات المعلومات المالية والسلطات القضائية والجهات الرقابية.
كما يتطلب الأمر تعاونًا مستمرًا وليس موسميًا، وشراكات مؤسسية قادرة على الاستجابة السريعة للمخاطر الجديدة التي تتجاوز الحدود والقطاعات والتقنيات.
إن المعركة ضد الأموال غير المشروعة ليست معركة مؤسسة واحدة أو دولة واحدة، بل مسؤولية مشتركة.
وإذا كانت الجريمة المالية تتطور بسرعة، فإن أدوات مواجهتها يجب أن تتطور بالسرعة نفسها، وإذا كانت الأموال تعبر الحدود خلال ثوانٍ، فيجب أن يكون تبادل المعلومات والتنسيق الرقابي قادرًا على مواكبة هذه السرعة.
وفي النهاية، تبقى الثقة هي رأس المال الأهم.
وحماية هذه الثقة تتطلب منظومة مالية تتمتع بالقوة والشفافية، وتطبق القواعد بعدالة، وتواكب التكنولوجيا، وتتعاون عبر الحدود.
فكل حلقة قوية تحمي النظام، وكل فجوة غير معالجة قد تتحول إلى نقطة اختراق.
ومن هنا، فإن بناء نظام مالي أكثر أمانًا وشفافية لا يبدأ فقط بوضع القواعد، بل بضمان تطبيقها، وقياس نتائجها، وتطويرها باستمرار، والعمل معًا على إغلاق كل فجوة يمكن أن تهدد استقرار اقتصاداتنا ومؤسساتنا وثقة مجتمعاتنا بها.








