شكّل الفوز الكبير للديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية انتكاسة سياسية كبيرة للرئيس دونالد ترامب، إذ يتجه الديمقراطيون إلى تحقيق أغلبية في مجلسي النواب والشيوخ تفوق التوقعات. ويكتسب حجم التحول أهمية خاصة في ولايات أيدت ترامب بقوة قبل عامين فقط، ما يعكس استياء الناخبين من مزاعم الفساد وارتفاع تكاليف المعيشة والحرب في إيران. وتفتح النتيجة الباب أمام عامين من الجمود السياسي، في ظل مواجهة أجندة ترامب الداخلية مقاومة كبيرة، رغم احتفاظه بصلاحيات تنفيذية واسعة في مجالي السياسة الخارجية والتجارة.
وجاء رد فعل أسواق السلع إيجابياً بوجه عام، بقيادة المعادن الصناعية، ولا سيما المعادن النفيسة، التي استفادت عموماً من ضعف الدولار وتراجع عوائد سندات الخزانة. وانخفض مؤشر بلومبرغ للدولار الفوري بنحو 0.5%، مسجلاً أكبر تراجع يومي له في شهرين، فيما هبطت عوائد السندات وسط توقعات بأن تحدّ سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس من فرص التوسع المالي الإضافي. كما عززت الضغوط التي شهدتها أسواق الطاقة تراجع العوائد، مع انحسار المخاوف التضخمية.
لكن تداعيات هذه التطورات تختلف من سوق إلى أخرى. فقد برزت المعادن النفيسة بوصفها المستفيد المباشر، فيما يواجه النحاس إعادة تقييم للسياسة الأمريكية بشأن الرسوم الجمركية وآفاق الطلب مستقبلاً، بينما يركز متداولو النفط بصورة متزايدة على احتمال أن تدفع الهزيمة السياسية لترامب إلى تسريع الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع في الشرق الأوسط.
الذهب والفضة يستفيدان من ضعف الدولار وتراجع العوائد
كان الذهب والفضة من أبرز الرابحين عقب الانتخابات، بدعم من ضعف الدولار وتراجع عوائد سندات الخزانة وتجدد تغطية مراكز البيع على المكشوف. كما عزز احتمال انقسام السيطرة على مؤسسات الحكم التوقعات بصعوبة تمرير مزيد من إجراءات التوسع المالي.
ويمثل ذلك تطوراً داعماً محتملاً للذهب، بعد التصحيح الحاد الذي شهده مؤخراً بفعل موجة تقليص المديونية في الأسواق، وارتفاع أسعار الطاقة، والضعف الذي طال أسهم التكنولوجيا. فبعد هبوطه دون مستوى الدعم المهم عند 3,970 دولاراً الأسبوع الماضي، استعاد الذهب هذا المستوى، ما دفع المتداولين الذين يعتمدون على الزخم وفتحوا مراكز بيع إلى إعادة تقييم مراكزهم. وأعادت هذه المكاسب أيضاً خط الاتجاه الهابط السائد منذ أغسطس إلى دائرة الاهتمام، إذ قد يشجع اختراقه المستدام على مزيد من عمليات الشراء.
وتبدو التداعيات على المدى الطويل داعمة أيضاً بوجه عام. فالآمال بانخفاض أسعار الطاقة قد تخفف المخاوف التضخمية، وربما تتيح للاحتياطي الفيدرالي تحويل تركيزه من احتواء التضخم إلى دعم النمو الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، قد يفضي الجمود السياسي إلى تجدد الضبابية بشأن تمويل الحكومة ومفاوضات الدين وآفاق المالية العامة.
وينصب التركيز حالياً على مدى قدرة التعافي على استقطاب طلب استثماري جديد يتجاوز تغطية مراكز البيع على المكشوف، إذ يُرجح أن تحدد تحركات الدولار وعوائد سندات الخزانة وتوقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي اتجاه الذهب المقبل.
وسارت الفضة على خطى الذهب، لكنها لم تخترق بعد مستويات فنية قد تحفز تغطية مراكز البيع واجتذاب طلب جديد. وهي تستفيد من تقلباتها الأكبر وحساسيتها لمعنويات المستثمرين، لكن انكشافها الإضافي على الطلب الصناعي يعني أن المخاوف المتعلقة بالنمو العالمي والاستثمار في التكنولوجيا قد تواصل التأثير في أدائها النسبي.
النحاس يعيد تقييم الرسوم الجمركية رغم متانة العوامل الداعمة على المدى الطويل
هبط النحاس في البداية مقترباً من أدنى مستوى له في نحو أربعة أشهر، عند 6.27 دولارات للرطل، قبل أن يتعافى ويتداول قرب 6.46 دولارات، في انعكاس لتضارب العوامل المؤثرة في السوق.
ويتعلق أحد مصادر القلق بآفاق الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. فبعد فترة طويلة من التوقعات القوية بشأن الطلب على البنية التحتية للكهرباء، قد يواجه القطاع رقابة سياسية وتنظيمية أشد، ما يثير تساؤلات بشأن الاستثمارات المستقبلية.
وفي المقابل، قد تسهم سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس في دعم التحول إلى الكهرباء والطاقة المتجددة، من خلال حماية الحوافز القائمة والحد من محاولات التراجع عن سياسات الطاقة النظيفة. لكن احتفاظ ترامب بحق استخدام الفيتو قد يجعل تمرير تشريعات جديدة واسعة النطاق أمراً صعباً.
أما العامل الأهم بالنسبة إلى سوق النحاس على المدى القريب، فيتمثل في التأثير المحتمل للرسوم الجمركية الأمريكية على الواردات. فقد درست الإدارة الأمريكية سابقاً فرض رسوم على واردات النحاس المكرر اعتباراً من يناير 2027، ما أسهم في تراكم كميات كبيرة منه في المستودعات الأمريكية. وأدى ذلك فعلياً إلى سحب هذه المخزونات من التداول في الأسواق الدولية، ما قلص المعروض المتاح في مناطق أخرى وأسهم في ارتفاع العلاوات السعرية الفعلية إلى مستويات استثنائية، ولا سيما في الصين.
وبعد هذه الهزيمة الانتخابية الحاسمة، ومع تزايد أهمية القدرة على تحمل تكاليف المعيشة في الحسابات السياسية، ربما تراجعت احتمالات فرض رسوم إضافية على واردات النحاس المكرر. وقد يقلل ذلك الحافز للاحتفاظ بمخزونات ضخمة داخل الولايات المتحدة، ويدفع الكميات المخزنة في نهاية المطاف إلى العودة للأسواق الدولية. ومن شأن هذا التطور تخفيف شح المعروض الذي تعكسه حالياً علاوات استيراد النحاس في الصين والفوارق السعرية في بورصة لندن للمعادن.
لكن من المهم التأكيد أن ذلك سيعني إعادة توزيع المخزونات القائمة، لا تحسناً في إمدادات المناجم العالمية، التي لا تزال تواجه تحديات في ظل الطلب القوي الناجم عن التحول إلى الكهرباء والاستثمار في شبكات الطاقة وغيرها من مشروعات البنية التحتية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو الاتجاه الصاعد طويل الأجل للنحاس قائماً، وإن كان من الممكن أن تؤدي نتيجة الانتخابات إلى فترة مطولة من التحرك العرضي، ريثما يعيد المتداولون تقييم مخاطر الرسوم الجمركية وتدفقات المخزونات وآفاق الطلب الأمريكي.
النفط يتراجع مع تحول الاهتمام إلى احتمال التوصل لتسوية في الشرق الأوسط
استأنفت أسعار النفط الخام تراجعها، وفقدت 11 دولاراً خلال الأيام الثلاثة الماضية، مع تنامي الرهانات في السوق على أن ترامب قد يسعى إلى طي صفحة الصراع في الشرق الأوسط بعد الانتكاسة الانتخابية. ومع تحول القدرة على تحمل تكاليف الطاقة إلى قضية سياسية رئيسية، قد تتيح تسوية تفاوضية مع إيران تسمح بعودة تدفقات الطاقة الإقليمية إلى طبيعتها للإدارة الأمريكية فرصة لتخفيف الضغوط على المستهلكين وإحراز تقدم في أحد أبرز تحديات سياستها الخارجية.
وعززت التطورات الأخيرة الآمال بتحقيق اختراق دبلوماسي، رغم استمرار الخلافات الجوهرية بين واشنطن وطهران. ومن المهم الإشارة إلى أن تراجع نفوذ ترامب على الصعيد الداخلي لا يقيد بالضرورة قدرته على التحرك دولياً. بل إن الرئيس الذي يواجه جموداً تشريعياً قد يصبح أكثر اعتماداً على صلاحياته التنفيذية ومبادرات السياسة الخارجية، ما يبقي مخاطر تجدد التصعيد قائمة.
وفي الوقت نفسه، بدأت عودة شحنات النفط الخام من الشرق الأوسط تضغط على أسعار الشحنات الفعلية، ما قد يسرّع عودة هوامش التكرير إلى مستوياتها الطبيعية، ويؤدي في نهاية المطاف إلى خفض أسعار الوقود. لكن استفادة المستهلكين بالكامل من هذا التراجع تتطلب أيضاً تعافي صادرات المنتجات المكررة من مصافي الشرق الأوسط. وحتى الآن، لا يزال هذا التعافي محدوداً بوضوح، ما يشير إلى أن انخفاض الأسعار في محطات الوقود قد يستغرق وقتاً أطول مما يوحي به تراجع أسعار الخام وحده.
ويواجه الغاز الطبيعي تحديات مماثلة. فما زالت الأسواق الأوروبية والآسيوية شديدة الحساسية للتطورات في الشرق الأوسط، لكن حتى إعادة فتح طرق الشحن الإقليمية بالكامل لن تعيد إمدادات الغاز الطبيعي المسال فوراً. ومع دخول أوروبا فصل الشتاء وسط عجز كبير في الإمدادات مقارنة بالسنوات الأخيرة، ستظل الأحوال الجوية ومستويات الطلب من العوامل الحاسمة في تحديد مسار السوق.
التغيير السياسي لا يعني تحولاً فورياً في السياسات
أعادت الانتخابات رسم المشهد السياسي الأمريكي بصورة جوهرية، لكن انعكاساتها على أسواق السلع ستعتمد على طريقة استجابة ترامب والسياسات التي ستدخل حيز التنفيذ فعلياً. ولن يتولى الكونغرس المنتخب حديثاً مهامه قبل يناير، ما يترك فترة لا تزال فيها أمام الإدارة الحالية والمشرعين فرص للتحرك.
وفي الوقت الراهن، تستفيد المعادن النفيسة من الأثر النقدي الفوري للتطورات السياسية، فيما يعيد النحاس تقييم اختلالات الإمدادات المرتبطة بالرسوم الجمركية، بينما تركز أسواق الطاقة بصورة متزايدة على احتمال التوصل إلى تسوية تفاوضية تنهي الصراع في الشرق الأوسط.







