سيشكّل عام 2027 نقطة تحوّل في مسيرة تبنّي الذكاء الاصطناعي، إذ ستتصدر موثوقية هذه التقنيات وأمنها أولويات المؤسسات، بالتزامن مع اتساع نطاق استخدامها في العمليات الحيوية، وسيفرض هذا التحوّل على المؤسسات إعادة تقييم استراتيجيات الأمن السيبراني، وتعزيز حماية أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتطوير آليات الحوكمة والرقابة لضمان استمرار سيطرتها على التقنيات التي تتمتع بمستويات متزايدة من الاستقلالية.
التوقع الأول: تزايد التهديدات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يعزز الأهمية الاستراتيجية للتعافي السيبراني
من المتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تطوير أساليب الهجمات السيبرانية وزيادة تعقيدها، بالتزامن مع استمرار الجهات التابعة للدول أو المدعومة منها في استهداف البيانات الحساسة والملكية الفكرية والبنية التحتية الحيوية، وتفرض هذه التهديدات على المؤسسات اعتماد نهج أمني متكامل يجمع بين الوقاية والاستعداد للتعافي، بما يضمن قدرتها على استعادة عملياتها حتى في حال اختراق دفاعاتها الأمنية.
وكشف الإصدار الخامس من التقرير العالمي السنوي للمرونة السيبرانية الصادر عن شركة كوهيزيتي أن 71% من المؤسسات في دولة الإمارات التي تعرضت لهجمات سيبرانية ذات تأثير ملموس خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، أفادت بأن نطاق الهجمات تجاوز ما أظهرته تقييماتها الأولية.
وفي عام 2027، يُتوقع أن تكثّف المؤسسات استثماراتها في حلول النسخ الاحتياطي غير القابلة للتعديل، وخزائن البيانات السيبرانية المعزولة، وبيئات التعافي الآمنة والخالية من التهديدات، لتعزيز قدرتها على استعادة العمليات وضمان استمرارية الأعمال، حتى في حال تعرض البنية التحتية المخصصة للتعافي للاختراق.
التوقع الثاني: التعافي من مخاطر الذكاء الاصطناعي سيصبح بأهمية تبنّي تقنياته
مع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في العمليات المؤسسية، ستشهد استراتيجيات التعافي السيبراني تحولاً جوهرياً يتجاوز استعادة التطبيقات والبنية التحتية التقنية، ليشمل ضمان سلامة نماذج الذكاء الاصطناعي والبيانات التي تستند إليها، والتحقق من موثوقيتها بعد التعرض للهجمات السيبرانية.
وكشفت أبحاث شركة كوهيزيتي أن 88% من المؤسسات في دولة الإمارات التي تعرضت لهجمات سيبرانية ذات تأثير ملموس، أقرت بوجود ثغرات في خطط التعافي لديها، لا سيما فيما يتعلق بمراعاة الاعتماد المتبادل بين الأنظمة والمكونات الحيوية، بما فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ومع حلول عام 2027، ستصبح حماية نماذج الذكاء الاصطناعي وبياناتها جزءاً أساسياً من استراتيجيات التعافي السيبراني، ما يستدعي تطوير آليات دقيقة للتحقق من سلامتها وموثوقيتها قبل استئناف العمليات المعتمدة عليها، لضمان استمرارية الأعمال والحد من المخاطر المحتملة.
التوقع الثالث: تكامل قيادات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني سيعزز الثقة في التقنيات الذكية
مع تسارع وتيرة تبنّي الذكاء الاصطناعي وتوسّع نطاق تطبيقاته في مختلف القطاعات، ستبرز الحاجة إلى تعزيز التعاون بين الرئيس التنفيذي للذكاء الاصطناعي (CAIO) والرئيس التنفيذي لأمن المعلومات (CISO)، لضمان مواكبة متطلبات الأمن وإدارة المخاطر لطموحات المؤسسات في الابتكار والتطور التقني.
وسيتولى الرئيس التنفيذي للذكاء الاصطناعي قيادة جهود تبنّي هذه التقنيات وتوظيفها لتحقيق قيمة مضافة للأعمال، فيما سيتعاظم دور الرئيس التنفيذي لأمن المعلومات في حماية أنظمتها وضمان إدارة المخاطر المرتبطة بها بكفاءة، وسيشكّل التعاون بين الجانبين أساساً لترسيخ حوكمة فعّالة للذكاء الاصطناعي، تقوم على وضوح المسؤوليات والمساءلة، وتضمن خضوع الابتكار لرقابة مؤسسية محكمة.
وتكتسب هذه الشراكة أهمية خاصة في دولة الإمارات، التي جعلت من الذكاء الاصطناعي أولوية استراتيجية ومحركاً رئيسياً للتنمية المستقبلية، وستكون المؤسسات التي تنجح في مواءمة استراتيجيات الذكاء الاصطناعي مع متطلبات الأمن السيبراني منذ المراحل الأولى، أكثر استعداداً لتوسيع نطاق استخدام هذه التقنيات بثقة ومسؤولية، وتحقيق أقصى استفادة من إمكاناتها مع الحد من المخاطر المصاحبة لها.
التوقع الرابع: وكلاء الذكاء الاصطناعي يشكّلون قوة عمل رقمية جديدة
ستشهد المرحلة المقبلة تحولاً متسارعاً في استخدامات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، مع الانتقال التدريجي من أدوات المساعدة الذكية إلى وكلاء ذكاء اصطناعي مستقلين قادرين على تنفيذ مهام مؤسسية معقدة ومتعددة المراحل، ومع اتساع نطاق المسؤوليات الموكلة إلى هؤلاء الوكلاء، ستبرز الحاجة إلى وضع أطر حوكمة واضحة تحدد صلاحياتهم في اتخاذ القرارات، والأنظمة التي يُسمح لهم بالوصول إليها، وآليات مراقبة أنشطتهم والتحقق من سلامة إجراءاتهم.
وسيتمثل التحدي الأبرز في قدرة المؤسسات على التعامل مع التداعيات المحتملة للتصرفات غير المتوقعة لوكلاء الذكاء الاصطناعي، أو التغييرات التي قد يُجرونها وتتسبب في تعطيل العمليات التشغيلية، ومن هنا، ستصبح الإدارة الدقيقة للصلاحيات، والرقابة الفعّالة، وتطوير آليات تتيح التراجع عن الإجراءات غير المقصودة وتصحيح آثارها، متطلبات أساسية لضمان دمج هؤلاء الوكلاء في بيئات العمل بصورة آمنة وموثوقة.
التوقع الخامس: السيادة على الذكاء الاصطناعي تتصدر الأولويات الاستراتيجية
مع تنامي دور الذكاء الاصطناعي في تشغيل البنية التحتية الوطنية وإدارة العمليات المؤسسية، ستتجه الحكومات والمؤسسات إلى إيلاء اهتمام أكبر بالمواقع التي تعمل على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي واستضافتها، والجهات التي تتحكم في البنية التحتية والبيانات التي تقوم عليها هذه التقنيات، في إطار مساعيها لتعزيز السيادة الرقمية وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الأنظمة الخارجية.
وفي دولة الإمارات، تفتح الاستثمارات المتواصلة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي آفاقاً واسعة لترسيخ مكانتها كمركز إقليمي رائد للتكنولوجيا والابتكار، غير أن تحقيق السيادة على الذكاء الاصطناعي يتطلب نهجاً أشمل من مجرد التحكم في مواقع استضافة الأنظمة والبيانات، ليشمل ضمان أمن البيانات، وسلامة النماذج وموثوقيتها، وتعزيز القدرة على استمرارية الخدمات الحيوية حتى في حال تعرض البنية التحتية التقنية للاختراق.
الخاتمة
ومع تسارع وتيرة تبنّي الذكاء الاصطناعي، ستصبح قدرة المؤسسات على تحقيق التوازن بين الابتكار والأمن والمساءلة والمرونة التشغيلية عاملاً حاسماً في نجاح تحولها الرقمي، وسيشكّل عام 2027 محطة فارقة تتمايز فيها المؤسسات التي تكتفي بتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي عن تلك التي تمتلك المقومات الأمنية والتشغيلية والحوكمية اللازمة للاعتماد عليها بثقة، والاستفادة من إمكاناتها على نحو آمن ومستدام.







